د.أحمد جميل عزم

تختار الفارس والفرس

تم نشره في الجمعة 26 تموز / يوليو 2013. 02:00 صباحاً

ليست الثورة بالنسبة للثوريين مجرد تغيير نظام حكم، أو تحررا من الاحتلال. من يثور لهذه الأغراض هو متمرد، منتفض، ثائر مؤقت ضاق ذرعاً بتسلّط محدّد. أمّا الثوري، فيريد تغيير وجه الكون، وإعادة ترتيب الحياة. لهذا ظهرت الأديان وجاء الأنبياء، وهذا هو مسعى الفلاسفة العضويين المنخرطين في الحياة.
ينزعج الثائر كثيراً، مثلا، من القصة التي انتزعت هذا الأسبوع نصيبا من الإعلام العربي المنشغل بأحداث تاريخية في مصر وسورية؛ قصة هروب الطفلة اليمنية ندى الأهدل (11 عاما) من بيت أهلها، واستعانتها بجمعيات حقوق إنسان ووسائل التواصل الاجتماعي، لتعلن للعالم رفضها الزواج، بعد قرار والديها تزويجها رجلاً يكبرها بـ25 عاما، في بلدٍ "تُزَوّج" 52 % من فتياته قبل سن الخامسة عشرة.
في رواية "الأقانيم الثلاثة"، يمنح وسام الرفيدي نفسه اسمٌا مثقلا بالأساطير: "كنعان". رواية مشتقة من تجربة الكاتب الشخصية؛ شاب ارتبط بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أراد أن يعيش الماركسية الثوريّة بحدها الأقصى، منطلقا من وطنيّة فلسطينية. في عشرينياته، يشعر بعد أسطورة الصمود الفدائي في بيروت العام 1982، أنّه مكلف بموضوع "ثِقَل الأرض المحتلة"، أي نقل الثورة إلى الداخل الفلسطيني بعد خروجها من بيروت.
كان ينتظر حبيبته (خطيبته) في بيت قريب من جامعة بيرزيت، حيث درس وحيث تَدرس، فيتلقى قرار الحزب: لا تقم بتسليم نفسك للجنود الذي يلاحقونك. كان إلقاء القبض عليه يعني اعتقالا لمدة وجيزة، أمّا الاختفاء فأمرٌ آخر. يقولون "اختفِ"، وهو يراها "حلّق"؛ كن ثورة وفينيقاً يَخرُج من رام الله والبيرة بعد التواري من بيروت. ولكنها ترفض؛ تقول خطيبته: "أين أنا من ترتيباتك؟ لماذا تُهملني؟". وتحسم الأمر: "ليزوجك الحزب فدائية". وحتى بعد سنوات، وبعد زواجها وإنجابها، سيبقى الناس يلومونه: "أراد السياسة فلا يورط بنات الناس". موقف شبيه بفتاة تقول لوالدها: "من أراد أن يكون فدائيّا عليه ألّا يتزوج وينجب أطفالا".
تمتد سنوات "الاختفاء" تسعا؛ من قذائف أشبال الـ"آر. بي. جيه" في بيروت حتى صواريخ صدّام حسين في العام 1991. يجد وقتاً كبيرا أثناءها ليتعذب بذكرى خطيبته التي لا يتهمها أبداً بأنّها كانت أنانية، بل يقول إنّها كانت ضعيفة.
يصبح فيلسوفا بعد قراءة مئات الكتب والروايات. يَرُد وسام على نظام الرهبنة في الدين المسيحي الذي ولد عليه، بقوله إنّه "ماركسي". ويتحدث عن عقيدته الخاصة المكّونة من أقانيم ثلاثة: "الحياة–المرأة–الثورة". يبدو له أنّه حقق أقنومين؛ اقتحم الحياة، واحترف الثورة. ولكن غياب الأقنوم الثالث يعذّبه. ويحدد المرأة التي يريد: "ليست مثل "الحريم" تنتظر الفارس على الفرس البيضاء. تختار هي فارسها وفرسه أيضاً، لها استقلاليتها". يرفض كنعان الخيال الشعبي للفتاة التي تنتظر الفارس الآتي على الفرس البيضاء، ليخطفها (يخطبها). في واقع الأمر، كثيراً، أو غالباً، ما تتنازل الفتاة عن الفروسية والفرس، وتقبل بالزواج بمواصفات أقل كثيرا من الفروسية.
يريد كنعان امرأة يعيشها وتعيشه، فتغدو "حقيقة، واقعا، حياة يومية، تجربة مشتركة، رفقة وانتشاء ولذة، حينها فقط يمكن القول أعيشها.. عندما تنتشي وتلتذ بها ومعها، تنتشي وتلتذ هي بك ومعك"، ولا يلغي أنّه يريد حياة تآزرٍ ومسؤولية.
لم يبرح كنعان في حديثه عن أقانيمه الثلاثة كثيراً الفهم الديني؛ فقد قال مفسرون للحديث النبوي، ومنهم القرطبي، "من تزوج فقد استكمل نصف الدين...".
في نهاية الرواية، بينما بساطير الاحتلال تحاصره مُلقى على الأرض تربكنا، يتذكر الرفيقة التي كاد أن يرتبط بها أثناء اختفائه، ورأى فيها الأقنوم الثالث. ولكن لأنها ممن يخترن الفارس ويحددن الفرس، تُقرر بعد أسابيع أنّهما غير ملائمين لبعضهما. لديها شجاعة القرار وأن تقول لا، مثلما لديها شجاعة الثورة والتمرد والعطاء. ويربكنا انتقاله المفاجئ من استحضار الحديث معها إلى الحديث مع نفسه وحوارها ولومها ومصالحتها. وهنا أيضا يذكرني بالآية القرآنية: "وخلقنا لكم من أنفسكم أزواجاً".
أنوي أنّ أسأل وسام الرفيدي: أين وصلت الثورة؟ أين تقع ندى الأهدل في خريطة الثورة؟ أن أسأله عمّا بعد الاختفاء.
وسيبقى السؤال المُشرَع: متى ينتهي سؤال الرجل والمرأة في تاريخ الإنسان والثورات؟

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تصحيح اﻵية (سمر أحمد)

    الجمعة 26 تموز / يوليو 2013.
    (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها( صدق الله العظيم
  • »سر عداوة حركات المقاومة الإسلامية في المنطقة العربية. (أبو أنيس القروي)

    الخميس 25 تموز / يوليو 2013.
    إن الخطأ الفادح والجسيم الذي ارتكبته قيادات المقاومة أو التنظيمات الفلسطينية منذ عام 1970 على وجه الخصوص ، ارتباط سياسات تلك التنظيمات بسياسة أنظمة الحكم العلمانية في المنطقة العربية ، والسير وراء سياسات ومصالح تلك الأنظمة ، وعلى حساب الاستمرار في المتاجرة بالقضية الفلسطينية ، وخاصة من خلال لهث تلك التنظيمات وراء أنظمة الحكم العلمانية والراديكالية في كل من مصر وسوريا والعراق وليبيا والجزائر تارة ، واللهث وراء أنظمة الحكم التي تمتلك المليارات تارة .... تلك المليارات التي يتم نهبها واختلاسها من خيرات الشعوب العربية ..... في حين كان يجب أن تكون سياسات تلك التنظيمات مرتبطة ومكملة لسياسات الثورات الفلسطينية من قبل ، وكما هو حال الثورات الفلسطينية في زمن عز الدين القسام قبل نكبة فلسطين عام 1948 .... مما قد يساعد على تغيير الصورة التي وصل لها الفلسطينيون اليوم ، ولما وصل الأمر إلى حالة من الانقسام والتشرذم والصراع والتحالفات من قبل التنظيمات الفلسطينية التي باعت نفسها لأنظمة المنطقة ولعباس وزمرته ، ومن خلال استمرار اللهث وراء سياسات ومصالح الأنظمة في المنطقة العربية ، وعلى حساب القضية الفلسطينية ..... ولما تمكن من ما يسمى "بحزب الله" من الظهور ، واستغلال الفراغ الفلسطيني في لبنان كي يمثل مصالح طهران الشيعية ، ليس في لبنان فحسب ، بل وفي المنطقة العربية ، وكما نلاحظ ما يحدث اليوم في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن والسعودية والسودان والبحرين ، ومن خلال تدخلات طهران المباشرة والغير مباشرة في شؤون الأنظمة والشعوب العربية في تلك الدول .... ولما تمكن عباس وزمرته من الانقلاب على منظمة التحرير ، والتحكم بمفاصل القضية وتوجيهها لخدمة مصالح واشنطن وتل أبيب وبعض الأنظمة في المنطقة ، وليس لصالح قضايا الشعب الفلسطيني .... تلك الزمرة من الأنظمة التي اتبعت ولا تزال تتبع أسلوب المتاجرة في القضية الفلسطينية من خلال الاستمرار في توظيف المليارات لخدمة مصالحها ومصالح واشنطن وتل أبيب ، وعلى حساب قضية الشعب الفلسطيني ، ومن خلال دعم ومساندة الانقسام والتشرذم الفلسطيني ..... وليس من اجل توظيف تلك المليارات لصالح القضية الفلسطينية .... وذلك ما يلاحظ من خلال مواقف أنظمة الحكم العلمانية في المنطقة ، في دعم واستمرار الانقسام الفلسطيني ، والاستمرار في دعم حصار قطاع غزة ، وكذلك من خلال ضخ الملايين في جيوب عباس وزمرته في رام الله لحماية مصالح تلك الأنظمة ومصالح كل من واشنطن وتل أبيب ، وعلى حساب الاستمرار في مسلسل المتاجرة بالقضية ، ومن خلال تسخير المليارات لخدمة مصالح واشنطن وتل أبيب ، وليس لصالح الشعب الفلسطيني وقضيته بالطبع.