موفق ملكاوي

ستة وعشرون عاما في الحضور البهي

تم نشره في الجمعة 26 تموز / يوليو 2013. 03:00 صباحاً

وسط المخاض الذي تعيشه منطقتنا العربية اليوم، نسيناه. ولم نتذكر ترانيمه التي هجس بها ذات ضيق وفراغ صبر.
في تموز (يوليو) من العام 1987، خرجت الرصاصة من مكمنها الغامض، لتصيب رأس الفنان ناجي العلي. تلك كانت مجرد رصاصة، قتلت وجوده الجسدي، غير أنها لم تستطع أن تلغي وجوده الفعلي، ولا تأثيره على أجيال عربية عديدة.
حتى أن تلك الرصاصة احتاجت إلى 37 يوما لتنهي حياة رسام الكاريكاتير الذي وهب حياته لقضية لا يختلف على مركزيتها عربيان.
بميلادين؛ الأول في قرية الشجرة بتاريخ مجهول، والثاني لدى وصوله إلى مخيم عين الحلوة اللبناني طفلا في حدود العاشرة من عمره، في عام الفجيعة 1948، ظل ناجي العلي يحمل النكبة على جلده، ويمضي بها من منفى إلى آخر. لعل أقساها، بحسب ما باح به ذات حوار، كان الخروج من لبنان في العام 1982.
عظمة ناجي العلي، أحسبها، لم تتأتَ فقط من كونه رساما ملهما انحاز إلى قضيته فلسطين، بل لأنه لم يتعامل مع تلك القضية برومانسية أو مثالية، مثل كثير من الأدباء الفلسطينيين في حينه؛ فحتى الثورة الفلسطينية التي شهد اتجاهها نحو العمل المسلح المكثف، كان يمتلك العديد من التحفظات على آليات عملها وخياراتها وانحيازاتها.
تلك نقاط تحسب لمصلحة ناجي، في أنه كان يرى المشهد برمته، ولا ينسرق من موضوعيته لمصلحة فكر أيديولوجي أو انتماء جيوسياسي. لكن مشكلته الكبيرة تمثلت في أنه شخص لا يحسن الصمت؛ فأفكاره وتوجهاته وقناعاته، سرعان ما كانت تظهر على صفحات أشهر الصحف العربية في وقتها؛ الطليعة والسياسة والقبس الكويتيات، والسفير اللبنانية، والقبس الدولية.
الخبير في صناعة الأعداء، ظل وفيا لقناعاته التي استقاها من توجهات الشارع العربي، ومن معاناة الفلسطينيين الذين تشتتوا في جميع بقاع العالم. لذلك، فقد استطاع أن يُغضب الجميع؛ العدو الصهيوني وأعداءه الافتراضيين. فعلاوة على إسرائيل، استطاع ناجي العلي أن يجر عليه غضب منظمة التحرير الفلسطينية، والعراق، وسورية، والأردن.
عندما كان شابا، شهد قيام منظمة التحرير الفلسطينية، التي اعترفت بها الأمم المتحدة والجامعة العربية ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني، داخل وخارج فلسطين، والتي وضعت هدفها الرئيس "تحرير فلسطين عبر الكفاح المسلح". لكنه، وبعد عقد فقط، شهد تفريط المنظمة بالعمل المسلح، وتبني فكرة إنشاء دولة ضمن حدود فلسطين الانتدابية. ولعله سيكون سعيدا لو علم أن الموت لم يمهله ليعرف أن المنظمة، وبعد استشهاده بعام واحد فقط، منحت الشرعية رسميا لدولة الاحتلال، بعد أن تبنت خيار الدولتين في فلسطين التاريخية.
ناجي، الأب الشرعي لحنظلة الذي أدار ظهره طويلا لما يجري على الساحة العربية، ما يزال دمه مراقا بين القبائل؛ فحتى هذه اللحظة، لا يمكن الجزم بمن وقف وراء اليد التي أمسكت بمسدس القتل. غير أن الحقيقة التي لم تغب، هي أن رسوم ناجي العلي ما كانت لتصمد طويلا بكل هذا الألق، لولا يد الشر التي أرادت إنهاءها.

m.malkawi@alghad.jo

التعليق