د.أحمد جميل عزم

بدو النقب.. من عادوا ومن صمدوا

تم نشره في الجمعة 19 تموز / يوليو 2013. 02:00 صباحاً

لا يعلم كثيرون كم كان الجزء الجنوبي من فلسطين (النقب) موضوعاً للحروب والخلاف بين القوى الاستعمارية. ولا يعرف كثيرون أنّ كل ما هو جنوب رفح، في قطاع غزة اليوم (أي أغلب مساحة فلسطين)، كان بموجب اتفاقيات سايكس-بيكو العام 1916، خارج إطار فلسطين التي تقرر أن تكون تحت حماية بريطانية–فرنسية–روسية. أمّا النقب، فتقرر أن تكون تحت الحكم البريطاني. تساهلت بريطانيا في كل فلسطين، ورفضت التنازل في منطقتين: النقب، ومنطقة الموانئ في عكا وحيفا؛ فأصرت أن تكونا تحت سيطرتها، وعدا ذلك قبلت "تدويله".
في برنامج إذاعي في استراليا العام 2011 قال مقدم برنامج "Palestine Remembered""، يوسف الريماوي، مخاطبا ابنة النقب، أمل الصانع–الحجوج: وأنت تتحدثين عن هدم قرية العراقيب ثلاثين مرة، ارتسمت على وجهي ابتسامة لهذا الصمود والمثابرة. قابلتُ أمل مرة واحدة في مؤتمر، وتحدثت في القضية نفسها. لا يمكن إلا أن تبتسم وهي تتحدث بلهجة بدوية خالصة، تطلق النكات بها، وتتحدى المستمعين فهم مفرداتها. باتت تعبيراتها فاكهة المؤتمر حينها. وهي تتحدث لغة إنجليزية تُحسد على طلاقتها؛ متسلحة ببيانات وإحصاءات وعروض "باور بوينت" متطورة.
تَوحّد الفلسطينيون في فلسطين الأسبوع الماضي ضد مخططات إسرائيل القضاء على عشرات القرى البدوية في النقب، بعضها موجود منذ ما قبل النكبة.
عندما حصلت فرنسا على امتياز شق قناة السويس بين البحرين الأحمر والمتوسط، ردت بريطانيا بمحاولة بناء سكك حديد تصل البحر الأبيض المتوسط بالجزيرة العربية. وعندما استغلت لندن وضع باريس الاقتصادي السيئ واشترت حصتها في قناة السويس العام 1875 ثم احتلت مصر، حاولت باريس التعويض ببناء سكك حديد من يافا وحيفا إلى العراق والجزيرة العربية. هذه قصة التنافس على فلسطين باعتبارها طريق التجارة. حرص البريطانيون على منع أي تواجد منافس؛ تركي أو ألماني أو فرنسي، في النقب، قرب قناة السويس، وشنّوا لذلك حملة عسكرية وصلت وادي عربة العام 1906. في المقابل، تطلبت مخططات سكك الحديد المنافسة الربط بين شمال فلسطين والبحر الأحمر مرورا بالنقب.
لم يكن الصهاينة بعيدين؛ ففي العام 1902، اقترح الأب الروحي والفكري للحركة الصهيونية ثيودور هرتزل، على وزير المستعمرات البريطاني، السماح بتأسيس دولة يهودية في العريش (داخل مصر)، تكون خط دفاع لصالح بريطانيا في النقب. كذلك كان الثري اليهودي الإنجليزي موسى مونتفيوري من أهم من مَوّل الهجرة اليهودية إلى فلسطين. ويوصف عادة بأنه كان يفعل ذلك شفقة وإحساناً لأبناء دينه، ولكنه كان أيضاً جزءاً من مشاريع المواصلات. فَقد تبنى بقوة مشاريع للاستثمار في سكك حديد تبدأ من عكا-حيفا وتصل بغداد، ودعا البريطانيين لذلك إلى السيطرة على الأرض بين عكا والعقبة.
توضّح الصانع أنّ أي بدوي يُمنع من الإقامة في منطقة غرب النقب، حيث يمكن الزراعة. طُردت عائلتها من هناك، من منطقة الشريعة العام 1948، وطردت العام 1963 إلى الأردن، وأصرت على العودة. واستطاعت العائلة تحقيق ذلك بمساعدة الأمم المتحدة ولكن ليس إلى أراضيها. وكما أخبرني ابن النقب د. منصور نصاصرة، الأستاذ في الجامعات البريطانية، والذي سعيت إلى لقائه في لندن قبل أكثر من عام، عساي أفهم ما يحدث؛ فإنّ كثيرا من البدو طُردوا على مراحل. ففي الخمسينيات، طردت قبائل إلى الأردن، مثل العزازمة والصانع والترابين، وكثيرون بقوا على الحدود وفرضوا عودتهم، ولكن ليس إلى مناطقهم الأصلية. في الستينيات، قُيّدت حركتهم في مناطق سكنهم بتصاريح عسكرية. المطلوب تهجير البدو إلى سبعة تجمعات توصف بأنها مدن أو بلدات، ولكنها تصرخ بالعنف والبطالة وضعف البنية التحتية، وانعدام الأراضي للبناء الجديد؛ وحيث لا توفر إسرائيل سبل العيش فيها. ويقول نصاصرة إنّ مخطط إسرائيل ينزع نحو 70 % من أراضي البدو المتنازعة.
النقب وأهلها قصة "لعبة أمم"، وقصة فلسطين واستعمارها، وقبائل تصارع التهجير. قصة عناد أناس أعادوا بناء قراهم عشرات المرات؛ رابطو على الحدود، وعادوا رغم أنف الاحتلال. أبناؤهم وبناتهم يتحدثون البدوية بدون تغيير، ويتحدثون للعالم بالإنجليزية بطلاقة. يتنقلون من مواجهة البلدوزر الإسرائيلي إلى ساحات العالم، ينقلون قصة نجهلها، تستصرخ من يكتبها.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تعبيد الطريق لتصفية القضية الفلسطينية. (أبو أنيس القروي)

    الخميس 18 تموز / يوليو 2013.
    إن ما يحدث في المسجد الأقصى ، والقدس ، والنقب الفلسطيني ، ليس سوى انعكاس على حالة التردي والتمزق العربي ، وذلك من خلال ركوب موجة ما يسمى بالربيع العربي ، أو ثورات الشعوب العربية ، وتوظيف ركوب تلك الموجة من قبل واشنطن وتل أبيب وأذنابها في المنطقة من اجل تصفية القضية الفلسطينية .... وان جولات وزير الخارجية الأمريكية جون كيري في المنطقة تتدخل ضمن هذا المخطط القذر ، ومن خلال إشغال الشعوب العربية بما يحدث من خلط كثير من الأوراق ، ومن زرع مزيد من القلاقل والفتن وحبك الدسائس والمؤامرات في كل من مصر وسوريا وليبيا وتونس واليمن والبحرين والسودان وغيرها من دول المنطقة ، حتى تتهيأ الأجواء من اجل تصفية القضية الفلسطينية .... وخاصة من خلال لهث عباس وزمرته وراء هذه المؤامرة البشعة بالتنسيق مع واشنطن وتل أبيب وبعض تحركات بعض الزعامات المشبوهة في المنطقة .... وكذلك من خلال تشديد الحصار على قطاع غزة ، وإشغال حماس في خضم الإحداث التي تجري في المنطقة وخاصة في مصر ، وبعد اقتراب إنهاء ما تبقى لها من وجود في كل من مصر وسوريا ولبنان .... ومن خلال الاستمرار في زرع بذور الحقد والكراهية المسمومة ، ليس ضد حماس فحسب ، بل وضد أبناء الشعب الفلسطيني ، ومن خلال نفث سموم أكثر من حاقد وغادر ولئيم وجبان وخائن وعميل ، والإعلان عن تلك المواقف المتشجنة والمتشددة والمتعصبة والحاقدة والشاذة ، وبكل وقاحة ووضوح ، وذلك عبر بعض المحطات الفضائية التي يتم توظيفها وتسخيرها لخدمة هذا الهدف القذر ، وخاصة من قبل الفاسدين والبلطجية وفلول النظام السابق قبل 25 يناير .... ذلك النظام الذي استطاع أن يزرع ويؤسس مافيا واسعة وعريضة وعميقة من خلايا وبؤر الفساد والرذيلة في قيادات الجيش والأمن والمخابرات المصرية خلال (30) سنة من حكم الطاغية ، ومن خلال ضخ وتسخير عشرات المليارات المنهوبة والمختلسة من خيرات الشعوب العربية لخدمة هذا الهدف القذر ، ومن خلال التنسيق والتعاون من قبل واشنطن وتل أبيب ، وبعض الجهات الإقليمية المشبوهة في المنطقة ، ومنذ عشرات السنين.