جميل النمري

التقشف؟!

تم نشره في الجمعة 28 حزيران / يونيو 2013. 02:00 صباحاً

من الواضح أن الجمهور ليس مقتنعا بأن هناك تقشفا حكوميا فعليا، وبأن الامتيازات تتقلص إلى أدنى حد، والإنفاق يذهب بمنتهى الحرص إلى ما هو ضروري، كما بأن المداخيل عادلة في القطاعين العام والخاص. فوق ذلك، هناك قناعة بأن ما نهبه الفساد لو عاد، فيكفي لتغطية المديونية وعجز الموازنة.
بهذه القناعات، لا يرى الشعب سببا ليتحمل من جيبه كلفة عجز الموازنة، حتى لو حلف د. عبدالله النسور أغلظ الأيمان بأن العجز يأتي من تغطية الحكومة لكلفة استهلاك المواطن من الكهرباء، وهي تقارب ضعف قيمة الفاتورة التي يدفعها. أكثر من ذلك، يشعر كل شخص أنه مغبون في دخله. وقد أصبح أبناء كل قطاع مستعدين للاعتصام والإضراب عن العمل، مهما كلف ذلك من خسائر باهظة. وكل واحد عينه على من يأخذ أكثر منه. ولن نجد في الحياة العملية أفرادا أو قطاعات تضرب المثل بالإيثار؛ فيقول قائلهم: نظرا لظروف الوطن، لا أشكو ولا أطلب، بل أتنازل! هذا المواطن المثالي ليس موجودا. والحكومة وحدها، كسلطة ذات ولاية، يمكن أن تضرب المثل والقدوة؛ أولا بنفسها، ثم بجميع الفئات، بما في ذلك القطاع الخاص!
في مداخلتي في نقاش الموازنة العامة، قلت إن الحل يكمن في عبارتين، هما: 1 - القضاء على الفساد، 2 - زيادة الإنتاجية. لكن هذا ليس الحل الفوري. فالقضاء على الفساد ورفع الانتاجية هما مشروع استراتيجي تراكمي، يفترضان وجود خطط تغيِّر ثقافة وسلوك المواطن، طوعا أو كرها، لتصبح 8 ساعات دوام تعني 8 ساعات عمل وإنتاج حقيقي، أكان وراء مكتب أم في الميدان. ونحن نظهر كمنتجين جيدين في الخارج فقط، حيث تغطي على عجزنا تحويلات الأردنيين من الخارج، التي تمد السوق بأكثر من ملياري دينار سنويا، إلى جانب ما تغطيه المساعدات.
وإذا تحدثنا بالحلول الفورية، فالتقشف هو الحل الوحيد لخفض النفقات وتقليل العجز. والتقشف على مستوى الجمهور يتحقق طبيعيا بالتضخم والارتفاعات القادمة للأسعار؛ إذ سيضطر المواطن لخفض استهلاكه، فيشتري كمية أقل بنفس السعر. ويمكن تحسين إدارة المواطن لدخله وترشيد إنفاقه ليتحدث مثلا ساعات أقل على الخلوي، ويوفر خضراوات أكثر للبيت.
لكن، ما يريد أن يراه المواطن أو يلمسه بالأصابع العشر، هو تقشف السلطة وفئة الأثرياء. وهنا أقول إن الحكومة فشلت حتى الآن في تقديم إجراءات قوية مقنعة للمواطن، قد تكون ذات أثر "معنوي" مهم. ومن ذلك، مثلا، أن تعلن الحكومة سقفا للرواتب والعقود، متضمنا كافة الامتيازات والمكافآت والبدلات من أي نوع، بمبلغ لا يزيد على 5 آلاف دينار؛ وأن تفرض ضريبة مؤقتة 50 % على كل مبلغ يتجاوز 5 آلاف دينار من الرواتب في القطاع الخاص، بدون اعتبار لأي خصومات ونفقات (ويمكن وضع قانون خاص لها على جناح السرعة للتطبيق الفوري).
طبعا، ستثور ضجّة كاسحة في هذه الأوساط، لكنها أكثر احتمالا من سخط شعبي عام لا نعرف مداه، والأثر الأعمق والمردود الأضخم هو توسيع ضريبة الدخل. والخطوة الشجاعة الأخرى لو قررت الحكومة فرض ضريبة على الأرباح الرأسمالية (أرباح الأسهم والسندات وبيع العقارات.. إلخ)، وعلى الأملاك المنقولة وغير المنقولة فوق سقف معين. وهنا سنسمع "ولولة" على خراب الاستثمار وتقويض السوق المالي، وهذا ليس صحيحا؛ فالضريبة موجودة في أمهات النظام الرأسمالي، ولن تؤدي إلى انهيار شيء.

jamil.nimri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عدااااااااااله هي المطلوب (كل السلط)

    الجمعة 28 حزيران / يونيو 2013.
    يا أستاذ جميل مطلوب مساواة هناك زملاء لنا بالوزارة يتقاضون فوق الألف ولا يعملون شيئا .... هناك أيضا كشوفات المكافآت أنظروا اليها اطلبوها لتجدوا البطة البيضا والسمرا ... لم لا توحد المكافآت والرواتب على نظام الخدمة المدنية حتى يشعر الأردني بالهدوء ... علي صوتك يا أستاذ جميل فكلنا معك
  • »البداية من مجلس النواب (huda)

    الجمعة 28 حزيران / يونيو 2013.
    البداية يجب ان تكون من مجلس النواب وذلك بخفض رواتب النواب والاعيان بنسبة ٢٥ بالمئة على اقل تقدير وخفض الانفاق العسكري والامني وشطب كافة المؤسسات التنفيعية المستقلة
  • »الله المجير (ابو مجدي الطعامنه)

    الجمعة 28 حزيران / يونيو 2013.
    من العدل ان نعتد ان وصفات كاتبنا كلها خير لو انها قابلة للتطبيق ، سوف تفيد كثيراً في التغلب على هذه الأزمة المالية الخانقة التي نعانيها كدولة .ولكن سيكون تطبيقها والقناعة بها من قبل الناس اشبه بالمعجزة .
    الناس هنا تعودوا على نمط معيشي واساليب في الإنفاق غاية في التبذير (والبعزعقة ) ورفعوا من سوية هذه ألاساليب حتى اصبحت وكأنها مقدسات لا يمكن تجاوزها ،كيف يمكن ان تقنع الأردنين أن الإطعام والمناسف المكلفة ليست الطريقة الوحيدة النبيلة التي توحي بالمحبة والإكرام ، وأن شراء الهواتف الغالية الثمن ليست بالضرورة دليل على الوجاهة وحسن الظهور . وأن من يمكن ان تكفيه سيارة صغيرة سيكون مبذراً مبذراً إن أقدم على شراء اخرى من السيارات المكلفة مثل سيارات الدفع الرباعي .التي نشاهدها تغلق شوارع عاصمتنا .
    المشكة تتمثل في غياب ثقافة الإنفاق الخاص والعام من جهة ، وغياب تعاريف وقيم إجتماعية تسلط الضؤ لتعرف الناس بما يكون اولا يكون من جهة اخرى ، وذلك لإختلاط وتباين المفاهيم القيمية للفضائل .
    من سمع خطاب الرئس المصري اول أمس وهو يورد وبالتفصيل الأخطاء المجتمعية الفاضحة المخزية هناك ، يعجب كيف ان المجتمع العربي برمته يعاني من سلوكيات فيها مغلاة وتطرف في كل شئ . وهكذا المجتمع الأردني الذي إذا أكرم يسرف بغلو وإذا كره يحقد بغلو .... نحن بحاجة ماسة الى الإيمان والمحبة ، والقناعة بما اعطانا الله والتصميم والإرادة والعزيمة الصادقة لتجاوز محنتنا والله المجير .
  • »راتب عضو البرلمان 3500 دينار (فادي خضر)

    الجمعة 28 حزيران / يونيو 2013.
    يا أستاذ جميل آخر شيء يريد أن يسمعه المواطن هو اقتراح مزيد من الضرائب والرسوم فقائمة الضرائب والرسوم عندنا لها أول وليس لها آخر، ما يريد أن يعرفه المواطن أين تذهب الإيرادات؟ ولا تقل لنا أن الضريبة موجودة في أمهات النظام الرأسمالي لأننا سنقول لك أن الديمقراطية والانتخاب المباشر للحكومة موجودة في أمهات النظام الرأسمالي، وفي النظام الرأسمالي هناك ضمان صحي للجميع وتأمين على البطالة وحتى حقوق عمال وحماية مستهلك الخ، فالنظام الرأسمالي يدرك أن إزدهاره يعتمد على وجود طبقة وسطى قوية قادرة على شراء واستهلاك ما ينتجه السوق. أستاذ جميل النمري عليك أن تبدأ من راتب عضو البرلمان الذي أصبح 3500 دينار بزيادة خمسمائة دينار في هذه الدورة (زيادة 17 في المئة عن الراتب السابق). المشكلة أن البرلمانيين عندنا لا يتعدى دورهم الهتاف مع أو ضد مثل المشجعين الجالسين على مدرجات لعبة كرة قدم والأنكى أن في ملعبنا السياسي يوجد فريق واحد في الملعب يستعرض أمام المشاهدين في الملعب، وهم بالأكيد خارج تغطية المواطن وانتباهه.
  • »كلام جميل (محمد)

    الخميس 27 حزيران / يونيو 2013.
    سعدت ان أجد مقترحات عملية في هذا المقال لكن من يسمع وكيف تؤثر
    مشكلتنا في الاقناع والتغيير من يشعله ومن يضحي لاجله