إبراهيم غرايبة

كيف وماذا نقرأ؟

تم نشره في الجمعة 14 حزيران / يونيو 2013. 03:00 صباحاً

أواجه مشكلتين مع الكتب، ثم تنشِئان متوالية من المشكلات. أولاهما، أن الكتب الجديدة التي تصدر، وما صدر من قبل، تشكل قائمة طويلة من الكتب المهمة والجميلة التي أجد ضروريا قراءتها واقتناءها. والثانية، أن موضوعات الكتب ومجالاتها متعددة، وتغري بالقراءة والمتابعة؛ فلا يعرف القارئ ماذا يقرأ وماذا يدع، ولا يعرف أيضا بماذا ينشغل من الموضوعات وماذا يترك. وفي الوقت القليل المتاح للقراءة والاهتمامات المتعددة والرغبات المختلفة التي تفوق الوقت والهمة، أشتغل في وقت واحد بقراءة عدة كتب، ولا أكمل معظمها بالطبع. ولدي اليوم قائمة طويلة من الكتب التي بدأت بقراءتها، ووصلت فيها إلى مائة صفحة أو أكثر أو أقل ولم أكملها.
ومع الزمن وتقدم العمر وكثرة الأعمال، تزدحم في الذهن أفكار شتى؛ فأنسى ما قرأت وما لم أقرأ. وبسبب الرغبة في الإنجاز، أضحي بالتأني والاستمتاع والاستيعاب الطبيعي الهادئ، وتتحول القراءة في أحيان كثيرة من عملية ممتعة مريحة، إلى عمل مستفز للجسم والذهن تحت ضغط إنجاز الأعمال والمهمات.
بذلت وقتا طويلا في عمل تذكري متأن لحصر وجمع الكتب التي قرأتها، أو بدأت في قراءتها ولم أكملها، أو قرأتها ولم أسجل ملاحظات وأفكارا متعلقة بها أو لم ألخصها؛ ذلك أني أنسى ما لم ألخصه. وكذلك كتب يجب أن أقرأها أو أحب أن أقرأها. فوجدتها قائمة طويلة، تحتاج إلى تنظيم وتصنيف ونظر.
ثم نظرت في مجالات الكتب والموضوعات، وما تعلمت وما أحتاج أن أتعلمه، وما يجب أن استبعده أو أضحي به، فوجدتها موضوعات كثيرة يصعب على المثقف المشغول الإحاطة بها جميعا. وفكرت في اختصارها وحصرها قدر الإمكان في الفلسفة والتاريخ والدين والأدب والثقافة العلمية.
ولكن الكتابة الصحفية تلزمني بطبيعتها أن أقرأ كثيرا من الكتب الجديدة التي تصدر في مجال السياسة والأحداث الكبرى، وما يتعلق بالدول والأقاليم. والعمل المهني في البحث يقتضي قراءة كتب ودراسات ومجلات في المجالات التي تشغلني في الجامعة.
وهكذا أعود من جديد إلى متاهة في القراءات، وقائمة طويلة يصعب تنظيمها وتفعيلها. ثم وجدتني في حالة عسر هضم وهدر للمعرفة بسبب كثرة القراءة وتشتتها وسرعتها. وحاولت أن أجري عملية اجترار طويلة وهادئة لإعادة هضم واستيعاب ما قرأت، بل ومعرفة ما لدي في ذهني وتجربتي من قراءات وأفكار وعلوم وقصص؛ ففي أحيان كثيرة لا أتذكر ولا أدرك ما لدي من قراءات، وما امتلكت أو يفترض أني امتلكته من معرفة، أو أضفته إلى نفسي.
لقد أصبت بإحباط وخيبة؛ فقد وجدت ما لدي مثل مستودع تتراكم فيه الأشياء في فوضى ولا يعرف صاحبه ما لديه وما ليس لديه، ولا يقدر على استعادة ما لديه أو الوصول إليه إلا بشق الأنفس. ووجدت ما لديّ من قراءات وكتابات مشروعات كثيرة غير مكتملة، وصلت في كل واحد منها إلى مرحلة ما؛ بعضها متقدم وبعضها في بدايته، ولكنها جميعا عديمة القيمة والأثر لأنها لم تنضج، أو تظهر في عمل مكتمل أفيد به نفسي والآخرين. ووجدت أن الكمال الذي كنت أظنه أو أسعى إليه ليس سوى سراب لعين، يهدر الحياة في مسار تائه لا يتقدم إلا قليلا.
وبين لعنة الكمال وعدم الاكتمال، أدركت بعد فوات كثير من الوقت أني لم أفعّل مواردي القرائية في التثقيف والتعلم والإنتاج المعرفي، بل ولم أستمتع بها فرديا وشخصيا استمتاعا يكافئ المجهود والوقت الذي بذلته.
بالطبع، لقد أفدت واستمتعت كثيرا بما قرأت، ومنحتني القراءة شفاء ومعرفة وحكمة، وشعرت بقدر كبير من الرضا والسعادة بسببها.. فلا أعني أني شقيت بما قرأت أو بددت وقتي وجهدي ومواردي، ولكني أفكر وأسائل نفسي وأحب أن أشارك الأصدقاء، لعلي أدير وأنظم القراءة على نحو أكثر جدوى وأكثر متعة وفائدة.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الحل في القراءة السريعة (محمد صوانة)

    الخميس 20 حزيران / يونيو 2013.
    نعم أستاذ إبراهيم،
    الحل في القراءة السريعة
    التي تجعل من القارىء المهتم بالإنجاز أن يقرأ صفحات الكتاب كمن يقوم بتصفحها (تماما مثل جهاز السكانر)
    مع اعترافي بأن هناك كتبا تحتاج تأن في قراءتها للتذوق والتعمق والفهم والتحليل.
    تقبل تقديري
  • »مجنون يحكي و عاقل يسمع (وحيد أبو ليلى)

    الأحد 16 حزيران / يونيو 2013.
    أخ غرايبة، بما أنك تحب مشاركة الأصدقاء -و أنا أعتبر نفسي أحدهم مع اختلاف الرأي في بعض الجزئيات أحيانا- فأود المشاركة برأيي و أرجو أن يتسع صدرك (كعادتك) لكلماتي: ما قرأته أو ستقرؤه مهم لمتعتك الشخصية، و سلامك الداخلي، و القراءة بشكل عام تؤدي لصقل الشخصية و بلورتها.. في حالتك الفردية، نحن أمام شخصية واضحة المعالم، كاملة النضج، تنال السلام الداخلي من مصادر أخرى كثيرة غير القراءة كالسماع و المشاهدة و الاندماج مع المجتمع. لذا فانني أخلص الى القول بأن القراءة في جدولك اليومي المزدحم ربما ينبغي ان تنحى منحى الهواية القليلة الأولوية، و نتمنى عليك كقارء أن تستثمر ما يتوفر من وقت في مراجعة قضايا اليوم و هموم الناس من منظور مختلف، فالقارئ المتابع يكاد يحصي بضعة طروح تتمحور حولها معظم موضوعاتك، و ربما يكون من الأجدى للتاريخ أن تنقطع للتأمل لتراجع ما كتبته أنت .. طروحاتك و وجهات نظرك و تستمع لمن حولك لتتحسس وجهات نظرهم أيضا،،، كل التقدير للشفافية العالية و التواصل المتين مع القراء.