إبراهيم غرايبة

حداثة غير عصرية

تم نشره في الأربعاء 12 حزيران / يونيو 2013. 03:00 صباحاً

يصف المفكر الهندي ديبانكار غوبتا حالة في الهند يسميها "حداثة غير عصرية". ولا أدري إن كانت الترجمة دقيقة أو ذكية، ولكن عند قراءة فكرته، يمكن الحديث عن تقدم علمي وتقني واقتصادي، لكنه يكرس الفشل والفساد بوعي وذكاء. فالمسألة كما يراها، هي أن الطبقات التي تتمتع بالامتياز أكثر من غيرها، والتي تبدو على أنها الأفضل لإدخال الحداثة، هي في الحقيقة ليست مهيأة للقيام بهذا المشروع؛ فهذه الطبقات هي الراعية للفساد والتبعية.
ما يجلب الحداثة أكثر برأي غوبتا هو الطاقات التحررية الكامنة في الدولة، وقوى التطور الصناعي والتمدن. ومع مرور الزمن، ستقوم هذه الوسائل معا بفرض مدى أوسع من الوجدان الاجتماعي، وقدرة أعظم على الاشتراك في المصير مع الآخرين؛ فبدون تغيير في العلاقات الاجتماعية، وبدون زخم متسارع لنقاط التشابه المشتركة، لن يستطيع التطور الصناعي والتمدن وحدهما تحقيق الحداثة. لعلهما ضروريان، لكنهما ليسا شرطين كافيين للحداثة. واعتمادا على الأحداث التاريخية، فإنه من الممكن أن تتأخر الحداثة، أو تنهار أو تفشل، على الرغم من القدرة التصنيعية والنمو الاقتصادي الإجمالي.
حتى تتجسد الحداثة بحق، يجب أن يتم تقليص المسافة بين الطبقات الاجتماعية، لأجل خلق تشابه كبير بينها؛ فالقدرة على زيادة مجموعة التشابهات وتعزيزها بين الناس هو مشروع المواطنة.
يعتقد غوبتا أن إيميل دوركهايم كان على حق حين قال: إن واجبنا الأول هو التشابه مع الآخر. ومن الواضح أن الطبقات الاجتماعية صاحبة الامتياز لن تكون هي التي ستشجع هذه العقيدة. فالأمل يكمن في الطبقات الوسطى، الأدنى فالأدنى، حيث المجال الأوسع للوجدان الاجتماعي. فعلى هذه المستويات ثمة تشابه أعظم في الذوق واللغة والخيارات الجمالية، والخبرات في التعامل مع المؤسسات الوطنية.
يقول غوبتا: "الأغنياء أصحاب النفوذ الذين يمتلكون التقنيات المتقدمة وينعمون بالرفاهية، ليسوا عصريين أصلاً، ولا يمكن الاعتماد عليهم لإدخال الحداثة. والأطباء الذين يعملون في المستشفيات الخاصة الباهظة ينتهجون منهجا نخبويا؛ ليس فقط تجاه مرضاهم، وإنما أيضا تجاه عمال المستشفيات الآخرين الأقل شأنا منهم. كما أن أولئك الذين يعملون في القطاعات الاقتصادية المتقدمة، ويجلسون خلف طاولات بيضاء مقابل واجهات زجاجية ضخمة، لا يمتون بصلة إلى الأناس الآخرين الذين لا يتحدثون لغتهم ذاتها أو لا يستطيعون التأثير في عاداتهم السلوكية أو الخطابية الشبيهة بالعادات الغربية.
"وعلى الرغم من ذلك، فإن الحداثة ستأتي رغما عنهم، لأن الدولة الوطنية والديمقراطية والتطور الصناعي المتزايد سيرغمهم على إفساح المجال لأولئك الذين كانوا حتى الآن على هامش التطور الاقتصادي. وهكذا يستمر برنامج التطور. ولكن ما إن يتمكن الشعب الذي يتمتع بالقوة من خلال الروح الاجتماعية التي يتمتع بها، حتى نستطيع القول: إن الحداثة أوشكت على التحقق. وحتى يتم ذلك، فلنعمل على ألا يتأثر حكمنا على هذه المسألة بأصحاب الحداثة السطحية العابرة الذين ليس بوسعهم إلا التفاخر بمقتنياتهم المادية، فهؤلاء هم الذين بسببهم ما تزال الحداثة غير عصرية حتى الآن".
وبالطبع، فإن غوبتا يتحدث عن الهند، وأنا اقتبس ما يقوله عن الهند!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مقاربات قريبة من واقعنا (عبدالله)

    الخميس 13 حزيران / يونيو 2013.
    السؤال الذي يطرح نفسه ما مدى امكانية انتاج المجتمع للطبقة التي تصنع القيم التي نحتاجهااو التي تم التآمر عليها وفق نظرية المؤامرة ؟ وهل حقا ان الطبقات واضحة في مجتمعنا لهذه الدرجة؟ ام ان الحال ان الطبقات المتوسطة او الاقل تتمنى حياة الاعلى والنخبة ولكن (قصارة ذيل)اتوقع ان مجتمعنا تختلف تقسيماته ههههه ان كان يملك اعراف تقسيمية او على الاقل قيم واضحة لكل مستوى.حداثة نصنعها قبل ان نصنع هويتنا ونتبنى اخلاقنا ووو كيف؟؟؟
  • »جاهلية العصر (محمود سليمان شقاح)

    الأربعاء 12 حزيران / يونيو 2013.
    التطور السريع في حياتنا بكل ما فيه من احداث وتكنولوجيا وتداخل المستبد الظالم مع ثائر الحرية ...افقدتنا ما تبقى لنا من قيم انسانية ...لا شيء مستحيل ...لا شيء غير ممكن ...اخواني يتحالف مع الشيطان الاكبر ...بصير ..المسدس في الجامعة ومجلس النواب ..بصير ...الشريف من لا يستطيع ان يسرق ...المجلس الاعلى للاصلاح يحارب الاصلاح ...والكثير الكثير ..اعتقد ان هناك علاقه بين الزجاج المظلل والربطة وبين مقولة " من أنتم "
  • »أشكرك على المقاربة التي لا تحتاج جهدًا للتأويل -برأيي- (هيثم الشيشاني)

    الأربعاء 12 حزيران / يونيو 2013.
    شكرًا أستاذ إبراهيم، و أنا أقرأ و صلت للسطر (فهذه الطبقات هي الراعية للفساد و التبعية) و أحسست أنك ستقول ما قلته بالسطر الأخير :)