حنان كامل الشيخ

غرفة غير مضاءة

تم نشره في الثلاثاء 4 حزيران / يونيو 2013. 03:00 صباحاً

لم تنتبه زوجته إليه، وهو يتسلل إلى خارج الغرفة، على أطراف أصابعه. كانت تئن في نومها من آلام قدميها، وتقلبت في الفراش ساعتين تقريبا، قبل أن يغلبها النوم. أما هو فالنوم جافى عينيه الذابلتين، وتمكنت اليقظة منه، حتى استسلم للواقع، فقرر أن يمارس طقوس الصحو إلى آخرها. وقف أمام ضوء الثلاجة مطولا الذي كان يضيء عتمة المكان، وكأنه يحاول أن يختار لنفسه شيئا يأكله أو يشربه، لكنه وبعد عدة دقائق استدرك نفسه واكتشف أنه لا يرغب بشيء. أضاء نور المطبخ وغلى لنفسه على مهل، فنجان قهوة بدون سكر. تسمر أمام عين الغاز سارحا متجمدا. كان يتصرف بشكل آلي ومنظم، بدون أن تبدو عليه أي ملامح تشي بمكنونات صدره.
في طريقه من المطبخ إلى غرفة الجلوس، مر من أمام غرفتها المطفأة، وسارع الخطى حتى لا تخذله إرادته، ويضعف قبالة باب الغرفة. إنما ولأنها إرادة بشرية، كان يجب أن تخذله، وتعيده إلى الوراء خطوات قليلة، وتدفعه لاستراق النظر فقط من طرف الباب. لكن شيطان "الماشوسيه" غلبه مجددا ورمى به في حضن الغرفة الفارغة تماما، إلا من سرير مفرد مرتب جدا، تستند على ظهره دمى الدببة الملونة، وتجاوره تسريحة صغيرة، لم تتجرد بعد من "الكراكيب" المزعجة، قلادات معلقة على طرف المرآة، زجاجات عطر شبه فارغة وغيرها فارغة تماما، مجموعة طلاء أظافر بألوان تنرفز العين "هنا كان يبتسم"، وصورتها القديمة مع صاحباتها، في آخر يوم في المدرسة، تتوسط رأس المرآة. هنا..  لم يملك إلا أن ينهار أمام ابتسامتها البريئة، وشقاوة عينيها، ويرتمي على سريرها الخالي، تتلقفه وسادتها الطرية، يدفن داخلها جرح صوته ودمع عينه.
لم يعرف أن يحدد مشاعره بالضبط، ما بين إحساس بالغيرة والخوف عليها، وحزنه على فراقها وخسارته لطفلته، التي لم تعد طفلة بعد اليوم. ليس بعد أن انتقلت يدها الصغيرة الناعمة المرتجفة، من كفه هو إلى كف رجل آخر هذا المساء. فالليلة كانت ابنته تزف إلى عريسها، في حفل عرس ولا أجمل، كانت هي الملكة فيه بثوبها الأبيض النقي، وضمة ورد الأوركيدا على ذراعها النحيلة، وابتسامتها الرقيقة لعريسها الذي كان "سيأكلها بنظراته"، طبعا من وجهة نظر أبيها!
لم يجرب هذا الاحساس من قبل، وهو أب لعدة أولاد وبنت واحدة. إنما كان يؤلمه كثيرا سفر الشباب إلى الدراسة مثلا، أو للعمل في دول الخليج. لكنه ألم محتمل ومسيطر عليه. يستغرب شعوره بالغيظ والحرمان الذي تولد لديه، من لحظة دخولها سيارة عريسها، إلى الآن. يستغرب كيف استطاع أن يرسم على وجهه ابتسامة كاذبة، بل ويضحك من قلبه ليجامل الأقارب والأصدقاء، بينما والدتها تقريبا لم تغادر حمام القاعة، تصلح مكياجها وتكفكف دموعها، وتعود لتصلح مكياجها مجددا. يستغرب جدا أنه رقص تلك الليلة.. رقص معها ومع عريسها بدون أن يرف له جفن!
الآن فقط، فهم دموع والد زوجته، ورفضه أن يكمل معهم حفل الزواج، بحجة المرض، ذات أصيل.
فعلا ما أصعبها من دقيقة طويلة، تلك التي تغادر فيها البنت عتبة الدار، وتلتفت برقبتها إلى الوراء، في نظرة أخيرة لحكايتها الأولى، تلتقي فيها عيناها بعيني والديها، فتشيح بهما بسرعة قبل أن تضعف وتركض كطفلة دائمة، إلى صدر أمها أو ركبيتي أبيها.
مهما كبرنا أو تطورت حياتنا وتوسعت مداركنا، في تلك الدقيقة تحديدا، لا نملك إلا أن نرتجف.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عدنا والعود احمد (ايمن الشقران)

    الأربعاء 5 حزيران / يونيو 2013.
    من افضل مقالات حنان الشيخ في ٢٠١٣ وصف رائع دخول الى الموضوع بطريقة ساحرة خاتمة اخاذة
  • »كاس على كل الناس (ماكماهون)

    الثلاثاء 4 حزيران / يونيو 2013.
    المهم يطلع الصهر ابن عالم وناس, وصاحب عقل راجح وخلق عالي, والباقي عمل ربنا
  • »شكرا كثيرا (wafaa dames)

    الثلاثاء 4 حزيران / يونيو 2013.
    أشكر الدكتور عبدالله عقروق المثقف صاحب الفكر النير والعقل الراجح فتعليقاته بحد ذاتها علم ومعلومات ينتفع منها اشكر الغد لأنها دائما تجعلنا نتواصل مع اناس طيبين أصحاب افكار عظيمة ويجب ان اشكر المسؤوليين عن نشر التعليقات لمساعدتهم لي الفترة الماضية جزاكم الله كل خير
  • »بكاء جميل (Sahar)

    الثلاثاء 4 حزيران / يونيو 2013.
    شكراً ست حنان على هذا المقال الراقي واللطيف.........من الصعب جداً أن نشعر بما يدور في قلبهما.... الاب والأم فهم يزوجوها حتى يرتاحون من هما كما يعتقدون لكنهم يفاجأون بسرعة بأن همها لن يفارقهما أبداً فهم يخافون على الابنة ويحاولون ان يتأكدوا بأن الله قد رزقها "ابن الحلال" حتى ترتاح معه ....اتصدقي ست حنان لا أعلم كيف يصبروا الاباء والامهات ويحبسون دموعهم أنا وبكل صدق في كل الحفلات التي احضرها وعند دخول والد العروس عليها "بفتح مناحة" وببكي كثير بشعر باشي غريب وحزين ؟ مقالك اليوم رائع وجميل
  • »ابنتي العزيزة .. تعليق على مقال غرفة غير مضاءة (سمير العدوي)

    الثلاثاء 4 حزيران / يونيو 2013.
    وصف دقيق لحياة عامرة ومستمرة.. اشكرك ايتها الزميلة في هذا المقال فانت وصفت بدقة رحلة تكون الاسرة .. والمشاعر الجياشة التي تمر بهذه اللحظة ..
  • »الزواج سنة الأديان (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الثلاثاء 4 حزيران / يونيو 2013.
    الى الأديبة وفاء دعيمس . لقد اصبحت أترقب تعليقاتك التي تظهر برائتك وتربيك المحافظة وأخلاقك النبيلة .نعم السن المبكر في وقتنا هذا خطر على الزوج والزوجة .أنما في عصرنا كان مرغوبا جدا . ومعظم الزواج الناجح كان هكذا . السيدة الوالده عليها ان تتذكر أن هذه سنة الحياة . وسنة الأديان , وتتمة لمجتمع سداه الأخلاق والفضيلة ولحمته الطهارة والمثل
  • »سنة الحياه (ahmed)

    الثلاثاء 4 حزيران / يونيو 2013.
    سنة الحياة لابد من استيعاب التطور الطبيعي والغير طبيعي لمراحل الحياة الطبيعيه والغير طبيعية ولازم نشغل الكهرباء عشان ترجع تاني الغرفة تنور ولازم نمشي علي انامل الاصابع حتي لانزجع احد نائما ليلا اكيد دي المشاعر الطيبه اللي لازم نتحلي بيها كلنا وفي النهاية الرجال لا يبكون
  • »كل الاحترام والتقدير استاذه حنان (rama)

    الثلاثاء 4 حزيران / يونيو 2013.
    ابكيتني بالفعل ..لامستي وجعي فأنا وحيده أهلي وكل ما افكر ان بيوم من الايام سوف اتزوج واخرج من بيت اهلي يصيبني شعور لا يمكن وصفه .. أخاف على أمي وأبي من نسمه الهوا .. متعلقه جدااا بهم .. ادعو من الله دائما ان يحفظهما لي فهما سندا وعونا لي ..
  • »SON IN LAW صهري (د. عبدالله عقروق)

    الثلاثاء 4 حزيران / يونيو 2013.
    قصتك رائعة واسلوبها مبدع . ومغزاها عميق . هنالك الملاين الذين مروا في هذه المرحلة القاسية . فهذه سنة الحياة ، ومتممات للدين الصالح . ونشأت المجتمع المستقيم . وأنا أحدهم .ودعيني يا كاتبتنا اضيف أن وقوف ابني في القانون
    SON IN LAW كما يطلقون على الصهر هنا . كيف تمكن أن يخفف عني الم الفراق ، وفي الوقت ذاته أكد لي ان ابنتي في ايادي أمينة . فعندما سلمته ابنتي .قلت له يا ابني ايمن حسن الزيود سأعطيك اميرتي الوحيدة .فارعاها بقلبك الكبير . طبعا والدمعة في عيني . فأجابني ابني ايمن وقال ساقبل كريمتك بكل فخر واعتزاز وكبرياء . أنت سلمتني أميرة . وأنا سأجعلها ملكتي . ملكة حياتي .فاطمأن قلبي لأخلاقه وعفويته وأصله المجييد . واختفت الدمعة من عيني , وذهبت الى الفندق . واسترحت . وفتحت الأنجيل المقدس . وشكرت ربي على نعمته . واليوم . وبعد احد عشر عاما .أصبح عندي حفيدين ريان وسامي . وبعد أن قرأت مقالك يا ابنتي حنان .ذهبت الى مكتبي . وقرأت الأتجيل ، وحمدت ربي . وصليت .يا رب العالمين أسعد كل زوج وزوجة في هذه الحياة . فالزواج السعيد يثمر بمجتمع صالح
  • »الولد الاصغر والبنت الاصغر (م .ثابت يس)

    الثلاثاء 4 حزيران / يونيو 2013.
    الى الرائعه حنان الشيخ مقالك اليوم على اسمك ينبع بحنان الام وعطف الاب
    ليس فقط صعب التخلي عن البنت وتركها تذهب من بيت ابيها الى بيت زوجها فالابن الاصغر ايضا يصعب ان يتركه والداه ان يخرج من بيتهما الى عشه كونه اخر العنقود ولن يكون هناك ونيس اخر لهما انها سنة الحياه نسلم ونسلم
  • »ابنتي الغالية (سمير حسن)

    الثلاثاء 4 حزيران / يونيو 2013.
    قراءة جميلة في واقع مفرح تتكون فيه مسيرة الحياة وتستمر
    مقال جميل يعبر عن مدى الاخلاص في دقة الوصف المفرح دائما والمحزن للحظات الفراق المؤقت
  • »نفس قصتي (ماجد)

    الثلاثاء 4 حزيران / يونيو 2013.
    شعرت بالحزن و الدمعة كادت أن تفضحني بين الزملاء في العمل . كل كلمة كتبتيها في مقالك حدثت معي بالحرف الواحد بعد زواج ابنتي و قرة عيني . كانت هي الوحيدة في المنزل التي تحن على و تفهم علية عيوني بمجرد النظرة . الوحيدة التي تمتص غضبي بابتسامتها الحنونة و طيبتها . لا أريد أن أبكي فأنا أدعو لها بالتوفيق مع زوجها الطيب و ابن الناس و أن يمنحها الله تعالى ابنة صالحة و طيبة و حنونة مثلها .
  • »الله ما أروعك يا أستاذة حنان (عبدالله)

    الثلاثاء 4 حزيران / يونيو 2013.
    الله ما أروعك و أروع كتاباتك... كم نحن بحاجة لمثل هذا الإبداع.
    خطيبتي هي وحيدة والديها على أربعة شباب... و عرسي بعد شهرين إن شاء الله.

    والله لقد جعلتيني أتصور مشهد عرسي أمامي.. و للحظة ارتجفت!
  • »والدتي الحبيبة . (wafaa dames)

    الاثنين 3 حزيران / يونيو 2013.
    أشكرك على المقال .
    قرأت المقال وأصابتني غصة في داخلي نعم سأقول ليس من العدل ان تعيش فتاة وتتربى ببيت سنوات وسنوات ويأتي رجل غريب يأخذها بين ليلة وضحاها فأنا لو عندي أبنة وكبرت فلن أزوجها فهي ملكي انا وسيكون من الصعب جدا او من المستحيل تركها انا فعلا استغرب الى حد كبير من الامهات الاتي يزوجن بناتهن في سن 14 و18 سنة فعلا غريب الا تشعر بأنها سوف تخرج من البيت روحها والدتي الحبيبة هكذا فأنا ابنتها المدللة دائما تقنعني بأن السن المناسب للزواج اواخر العشرينيات وبداية الثلاثينيات وحتى لو لم تتزوج الفتاة بأفضل رجل فهي ليست بحاجة للزواج هذه معتقداتها وافكارها التي مع الايام تبنيتها ..تشير الاحصائيات ان اعلى نسبة طلاق تكون للأشخاص الذين تزوجوا حديثا وتكون اعمارهم ما بين 14الى 22 سنة ..مع هذا هذه سنة الحياة وعلينا تقبلها .