لديهم مشاريعهم.. فماذا لدينا؟

تم نشره في السبت 25 أيار / مايو 2013. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في السبت 25 أيار / مايو 2013. 08:06 صباحاً

يقترب حالنا في العالم العربي، ومنه الأردن، حيال إشكالية غياب المشروع، مما ذهب إليه شيخ مغربي طاعن في السن كان يلعب الشطرنج مع رجل أقدم على مجموعة تحركات غير مدروسة وعشوائية، إذ قال له: يا ولد، إنت ما عندك خطة.
كلمات الشيخ المغربي هي عنوان العقدة والأزمة في حياتنا الاقتصادية، ومثلها الاجتماعية والسياسية. ولأن الاقتصاد أكثر أهمية وأخطر تهديدا في حياة الشعوب، فإن غياب مشروع الدولة والحكومة، وعدم التزام القطاعين العام والخاص وكذلك الأفراد بأي مسؤولية تجاه ما الذي ستكون عليه الحال بعد سنة أو عدة سنوات، سيعنيان إعادة إنتاج الفشل في المحيط العربي على المستوى الاقتصادي.
ألا يُحرج "النخبة" العربية؛ مسؤولين ومخططين اقتصاديين ورجال أعمال وغيرهم، النموذجان التركي والبرازيلي وما حققاه خلال ثماني سنوات فقط من العقد الماضي؟
لقد استطاع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، قلب المشهد الاقتصادي في بلاده؛ من التشوه إلى الوضع السليم الواعد. إذ وضعت الحكومات التي سبقت وصوله إلى كرسي المسؤولية الاقتصاد التركي في حالة الجباية، بكل تفاصيلها المرهقة للمواطن التركي، ناهيك عن تفشي الفساد. فشكلت الضرائب آنذاك النسبة الأعلى من الدخل القومي، وبما يتجاوز 86 % منه. ثم جاء أردوغان فقضى على معظم ملامح الفساد، لاسيما المتعلق بخزينة الدولة. كما فتح الباب للاستثمار وفق قوانين وتعليمات ذات صلة بمنظومة النزاهة والشفافية، فكان أن شكلت الضرائب في عهده 16 % من الدخل القومي، بينما جاءت النسبة الأعلى من الدخل عبر الاستثمار والمشاريع الصناعية الكبرى.
اليوم، تقدم أنقرة قروضا لصندوق النقد الدولي بعد أن كانت مدينة له. فهنا مشروع الدولة ونخبها واضح لا تخطئه العين، فيما لا يوجد نموذج عربي واحد يقارب هذا النجاح التركي، الذي أصبحت بعده تركيا على رأس قائمة الاقتصادات الأوروبية.
المشروع أيضا متحقق بشكل كبير في البرازيل على يد الرئيس السابق لولا دا سيلفا، الذي تسلم دولة أنهكها العسكر لعقود طويلة، فكانت على شفير الإفلاس، ناهيك عن الفقر والجوع والكوارث الاجتماعية والديون الخارجية. لكن مشروع الرجل، ومن حوله نخبة تؤمن بحق بلادها في النهوض، أدى إلى إيصال البرازيل إلى مستوى سادس أكبر اقتصاد على مستوى العالم، متقدما بذلك على الاقتصاد البريطاني. وهي النتائج التي جاءت ثمرة لمشروع إصلاحي في الاقتصاد استمر منذ العام 2003 وحتى العام 2010.
"لولا" الذي نشأ فقيرا، وتجرع مرارة الجوع مع أسرة ريفية فيها 8 أطفال تعيلهم أمهم بعد أن تخلى عنهم الأب، عمل ماسحا للأحذية، وناضل لسنوات طويلة بحثا عن حقوق العمال. لم يحقد على الأغنياء في بلاده أو يدمرهم كما فعلت تجارب "الاشتراكيين العرب"، ولم ينغمس في مجاهيل الفساد كما فعل معظم الزعماء العرب، بل قام بتشجيع الاستثمارات وإطلاق الصناعات وما يساندها، وأسس لسياحة لا تنتهي في القارة البرازيلية. وكان هدف المشروع هو إحداث الفرق الجوهري في حياة البرازيلي. وهكذا، نقل "لولا" فقراء بلاده إلى مصاف الطبقة الوسطى. وانشغل الجميع هناك، وما يزالون، بمشروع اقتصادي يعكس قوة الفرد والدولة والاقتصاد معا.
أزعم أن لا خطة ولا مشروعا في واقعنا المحلي ومحيطنا العربي؛ والأمور تحدث وسط تجريب يناور في مربعات الفشل. والحكومات و"النخب" لدينا في أغلبها تأتي وتثري وتغادر بدون حسيب أو رقيب، بينما الشعوب منشغلة بأمراض العنصرية والطائفية وحديث "الأنا" المتورمة، والقدرة على الإنتاج تكاد تنعدم لدى الفرد والدولة.
نحتاج وقتا طويلا كي نتعلم، ولا مشروع في الأفق. ويلخص قول الشيخ المغربي حالنا المنهكة.

hassan.shobaki@alghad.jo

التعليق