محمد برهومة

إهانة رفسنجاني.. لماذا تقلق العرب؟

تم نشره في الجمعة 24 أيار / مايو 2013. 03:00 صباحاً

حين نعلم أن المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي، يصغر هاشمي رفسنجاني بأربع سنوات فقط، ندرك أن مسألة رفض ترشيح الأخير لانتخابات الرئاسة الإيرانية المقبلة هي مسألة سياسية لا تتعلق بالأهلية وشروطها. وكان موقع "مشرق نيوز"؛ القريب من الحرس الثوري الإيراني، حثّ في الثامن عشر من الشهر الحالي أنصار رفسنجاني ومحبيه على "مطالبته بالانسحاب من الترشح لانتخابات الرئاسة، خوفاً على صحته (وكبر سنه)، وعطفاً عليه قبل أن يهينه مجلس صيانة الدستور برفضه رسمياً".
ولنا أن نستدعي، استطرادا، كيف وظّف آية الله الخميني حادثة اقتحام السفارة الأميركية من جانب طلبة ثوريين من أجل إقصاء مجموعة مهدي بازركان، رئيس الوزراء حينذاك، عن الساحة السياسية؛ فكانت الحادثة مظلة لإقصاء التيار الوطني الديني، والداعين لجمهورية ديمقراطية دستورية.
الرسالة التي يبعث بها خامنئي اليوم هي ذاتها: إيران لا تحتمل سوى صوت واحد. وتحت هذا الشعار تتم محاربة الفرقاء والمنافسين السياسيين: فالإصلاحيون، بعُرف تيار خامنئي-الحرس الثوري، خانعون للغرب؛ وتيار أحمدي نجاد-مشّائي "تيار انحراف". وللمرء أن يتساءل كيف لا تتسع إيران اليوم، بقيادة خامنئي وتيار الحرس الثوري، لشخصيات اعتبرت لزمن من رموز النظام وأعمدته، ومن صُنّاع الثورة في إيران، مثل هاشمي رفسنجاني الذي اتهم بالخيانة العظمى، ومحمد خاتمي الذي نال التهمة ذاتها؟ هذا يعني أن الثورة، التي جمعت في انطلاقتها إسلاميين من كل التيارات، وليبراليين وديمقراطيين، تُقلّص اليوم حلفاءها وأنصارها تحت اسم: "إسلاميو النظام"، ممن يدينون بالولاء للقائد خامنئي، وممن تجيزهم اللجان التابعة له، وتسمح لهم بالترشح للانتخابات وتسبغ عليهم صفة "ثوريّ".
لقد انتعش منطق الدولة في إيران وتقدّم على منطق الثورة زمن رئاسة محمد خاتمي. لكن مع مجيء محمود أحمدي نجاد، عاد مجددا منطق الثورة وتصديرها، والتدخل في شؤون الدول القريبة والبعيدة. والمنطق الأخير لا يعمل إلا وفق سياسة مواجهة خصوم الداخل من أجل التفرغ لمهمات الثورة في الخارج! ومنطق الثورة إذ يطغى على منطق الدولة، لا بد أن يستدعي وجود أو توليد الأعداء في الداخل والخارج. ولطالما كرر أحمدي نجاد القول إنه لا يحتاج إلى أعداء بوجود خصومه في التيار المحافظ، مثل عائلة لاريجاني وغيرهم. ولطالما كرر الإعلام الإيراني التابع لخامنئي وصفه لرفسنجاني حين دعا قبل أشهر لحكومة وحدة وطنية، بأنه (رفسنجاني) "تخلّى عن ثوريته السابقة منذ العام 2009، وأصبح يلعب في ملعب الأعداء"، كما جاء في صحيفة "كيهان" (26/12/2012)، والتي أضافت: "هل يقصد رفسنجاني التوّحد مع من افتعل أزمة تزوير الانتخابات (من الإصلاحيين) العام 2009 بتوجيه أميركي بريطاني إسرائيلي؟". إذن، فالصوت المختلف منقوص الوطنية، ولا يتحلى بصفات الثوريين؛ بل هو في صف الأعداء والخصوم. ولعل ذلك يدفع إلى الاستنتاج بأن مخاطر غلبة الثورة على الدولة في إيران لا تقتصر فقط على العلاقات الدولية، بل إنها أيضا وصفة لتأبيد لغة الاتهام وانتهاج الشمولية والاستبداد في ممارسة السلطة والحكم.
ليست حال الدول العربية في مجال الحريات والديمقراطية وتداول السلطة في وضع من يعطي الدروس لإيران، غير أن هذا لا يمنع من تسجيل القلق والتوجس، وهما يختزلان في تساؤلات تقول: كيف للدول العربية أن ترى في إيران دولة طبيعية كباقي دول المنطقة لا تسعى للهيمنة؟ وكيف لدول المنطقة أن تكون مقبولة من إيران، وهي ترى أن الفريق النافذ في إيران اليوم لا يكاد يقبل بصنّاع الثورة ذاتها مثل رفسنجاني؟!
نتيجة ما تقدّم نقول: إن منع رفسنجاني من خوض انتخابات الرئاسة يعني أن نماذج مثل تدخل "حزب الله" في القصير وغيرها، وتدخل "الحوثيين" في صعدة وغيرها، ستتكرر على الأغلب في السنوات الخمس المقبلة!

mohammed.barhoma@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الخاصية الأسموزية للثورات والإنجازات (عزام)

    الجمعة 24 أيار / مايو 2013.
    مازلت اتذكر في درس الأحياء عن الخاصية الأسموزية. والترجمة السياسية للخاصية الأسموزية هو انه في منطقة واحدة إن تواجد الفشل والفساد بمحاذات الإنجاز والتنمية فإن الثاني يتسرب الى فراغ الأول بدون اية محاولة. اي ان العربي اليوم ينظر الى إيران وتركيا كونهما دولا مسلمة حققت إنجازات مميزة بثروات طبيعية لاتزيد عن ثروات العرب بينما هذا العربي يرى حوله فشلا وفسادا أقرب منه الى الدمار. هذا ليس تصديرا لثورة إيرانية او تركية. هذا إستيراد سيكولوجي من العربي للثورات والإنجازات المحاذية بدون تدخل إيراني او تركي. وهذا إسمه ربيع عربي. وكيف واجه النظام العربي هذا الإستيراد؟ بالطائفية والفتن ومحاولة تدمير هذه النماذج اوشيطنتها. هذا عوضا عن التنمية الحقيقية ومكافحة فساد حقيقية والحاكمية الرشيدة. لأن النظام العربي غير قادر على إعادة هيكلة نفسه من مؤسسة مبنية على الفساد الى مؤسسة مبنية على الإنجاز