إبراهيم غرايبة

الشهيد إبراهيم غرايبة

تم نشره في الجمعة 24 أيار / مايو 2013. 03:00 صباحاً

عندما زرت عمان العام 1976، للمرة الأولى في حياتي، جئت مع أخي أبي عكرمة، مدير المدرسة، للمشاركة في حفل تكريم أوائل المطالعين. وقد بقيت فيها يومين مع شقيقيّ حمزة وياسر (رحيل) اللذين كانا طالبين في الجامعة.
كان أكثر ما أدهشني في عمان وبقيت أتذكره حتى اليوم، أن الخبز يشترى من السوق؛ لا أحد في عمان يخبز في بيته، ويوجد محلات تبيع الخبز! الزيت أيضا يباع في السوق قال حمزة، وقد اشترى بنفسه زيت زيتون تونسيا. كيف يعبأ الزيت في غالونات جميلة صغيرة، وليس في تنكات حديد أو في جرار عملاقة مثل التي في بيوتنا؟.. أتذكر جرتين عملاقتين مركونتين في مكان خاص معدّ في الجدار لأجلهما، قبوة جميلة و"قصيصة" مثل العرش تجلس الجرتان عليها، كل واحدة تستوعب 6 تنكات أو أكثر.
كانت دكان أبو واصل تبدو مخزنا عملاقا مدهشا لي، أحب كثيرا أن أطيل النظر في الأشياء الكثيرة جدا على أرففها وأرضياتها. ماذا يفعل الناس بهذه الأشياء؟ فقد عشنا من قبل سنوات طويلة ونحصل على كل ما نحتاجه من دكان أبو دواس في القرية الضئيلة بالنسبة لـ"الشفا" المبهرة، والتي بدت لي وحشا أنتظر يوم الخميس بلهفة كي أهرب منه. لا أظن أن كل محتويات دكان أبو دواس تملأ سلة من سلال السوبرماركت، ولكنها كانت تموّن القرية التي تعيش فيها حوالي مائة عائلة.
في اليوم الثاني لزيارة شقيقيّ، ذهبا إلى الجامعة وبقيت في البيت وحدي. وقررت أن أكرر تجربة أخي في اليوم السابق عندما خرج وأحضر من السوق صحن حمص وخبزا؛ كانت وليمة عظيمة مدهشة، قررت تكرارها لنفسي وبنفسي. مشيت في الشارع ودخلت محلا تجاريا؛ كل المحلات في الشارع تبدو لي متشابهة. قلت للرجل في الدكان: أريد صحن حمص. نظر إلى بغضب وقال: شايفني مطعم؟ غضب مني معتقدا أني متعجرف أريد مساعدته؛ إذ ظن أنني أريد أن أنتظر في دكانه حتى يحضر لي صحن حمص. انسحبت بحياد من يجري تجربة، ودخلت المحل المجاور له (لعله كان محل مواد بناء، أو شيئا من هذا القبيل)، وقلت للرجل هناك: أريد خبزا. هو الآخر لم يخطر بباله سوى أني أحسب نفسي ابن المختار، وأنه بعثني ليدبر لنا خبزا. لم يتوقع أحد ذلك في الشارع الذي كان يبدو لي مدينة عملاقة، والذي عدت إليه بعد خمس وثلاثين سنة مشرفا على تنمية المجتمع فيه، باعتباره في نظر الجامعة يحتاج إلى تنمية.
كانت المحلات التي لا ينساها الطالب/ المشرف ما تزالت قائمة وكما يتذكرها؛ مطعم الحمص والفول ما يزال قائما، وكذلك المكتبة التي وقف الطفل أمامها بمستوى من الدهشة والانبهار أقل بكثير من الدهشة التي بذلها العام 1998 وهو يتأمل برج مركز التجارة العالمي وتمثال الحرية. المكتبة التي تأمل واجهتها الزجاجية العجيبة ما تزال بواجهتها.. لكن لو أن الصراصير والفئران تشترى، فلربما صارت مولا عظيما.
مشيت في الشارع مستعيدا دهشة الطفل الأولى. كان البيت الذي أقام فيه أخواي قائما كما هو، وبقايا اللون الأخضر الذي صبغت به جدرانه ما تزال عالقة على نحو يجعلك تؤكد أنها كانت جدرانا مطليا باللون الأخضر.
ولكن الدهشة الكبرى كانت أن اسم الشارع كما هو مثبت على زاوية فيه "شارع إبراهيم غرايبة"! الشهيد إبراهيم غرايبة أحد شهداء الجيش العربي الأردني في فلسطين! وهناك أسير لدى الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين اسمه "إبراهيم غرايبة".
ما نحن الأردنيين إلا شهداء وأسرى، وليس لنا سوى أسمائنا تطلق على الشوارع! أفكر الآن في هذه اللحظة بمبادرة "زمزم"!

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الحريات سقفها السماء (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الجمعة 24 أيار / مايو 2013.
    وكما تقول عجاءزنا " "لك طول العمر . تشابه الأسماء ترك لك بصمة ومعلما في الأردن . وطبعا ستكسب لقب الشهادة ، بأنك أعلام كبير . وصرح جلالة الملك عبدالله الثاني أن الحريات في ألاردن سقفها السماء
  • »رحلة جميلة (هيثم الشيشاني)

    الجمعة 24 أيار / مايو 2013.
    رحلة جميلة، حسًا و معنى من الأستاذ إبراهيم :)

    العبارة الأخيرة كانت الأشد إيلامًا!

    تأملات يوم جمعة و غوص في الذكريات .. جميل!
  • »الى الشهيد ابراهيم غرايبة (أبو المعتصم)

    الجمعة 24 أيار / مايو 2013.
    رحمة الله على جيمع الشهداء في ارض فلسطين وغيرها. نحن كما ترى إما شهيد او اسير او مقهور او مظلوم في وطنه. واوطاننا تسير نحو الهاوية ان لم يتم تداركها بعقل وحكمة ووطنية بعيدا عن اصحاب النفوس والجيوب والعقول الفارغة
  • »مبادرة زمزم (wafaa dames)

    الخميس 23 أيار / مايو 2013.
    لقد فكرت كثيرا بكلمة "ليس لنا سوى اسمائنا تطلق على الشوراع أفكر الان في هذه اللحظة بمبادرة زمزم "...
    جملة تحتوي على عدة معاني ..
    اذا كانت اهداف الجماعات والاحزاب التي تنشأ شريفة وطاهرة تسعى لأعلاء المجتمع ولا تسعى للسيطرة عليه اذا فهي احزاب سيباركها الله ويتقبلها المجتمع فالشعوب اذكى مما يتصور السادة فهي تعلم الخير من الشر والظاهر من المخفي .وليس كل من كتب اسمه على شارع قد يكون قدم شيء أيجابي لوطنه ومجتمعه ..?سلمت يداك على المقال الجميل ووصفك عمان في السبعينيات .