إدارة الدين

تم نشره في الخميس 16 أيار / مايو 2013. 03:00 صباحاً

لقد دخلت الحكومة في دوامة عندما استخدمت أدوات سياستها النقدية لتحقيق سياسة مالية تتمثل في تغطية عجوزات الإنفاق الحكومي من خلال استخدام أدوات الاقتراض الداخلي لسد التضخم الذي حصل في عجز الميزانية على مدى السنوات الثماني الماضية.
واستخدمت الحكومات المتعاقبة منذ العام 2005 أذونات وسندات الخزينة كوسيلة لسد عجز الموازنة الحاصل نتيجة زيادة الإنفاق العام عن الإيراد من الضرائب والرسوم وغيرها. لقد استخدمت هذه السندات لغير الغرض الذي تستخدم من أجله؛ فلم تستخدم للتأثير على عرض النقد والتضخم وتحفيز الاستثمار، وإنما استخدمتها الحكومة كوسيلة بديلة عن الاقتراض الخارجي تستهدف القطاع المصرفي المحلي للاقتراض منه عن طريق بيعه سندات الحكومة مقابل وعد الحكومة بتسديد القيمة الأصلية للقرض مضافاً له فائدة لصالح البنوك. وفي المقابل، لم تقم الحكومة بتسديد قيمة هذه الإصدارات من إيراداتها المتحققة وإنما قامت بتغطية الدين عن طريق إصدار سندات دين أخرى حتى تراكم الدين الداخلي المتحقق من خلال أربعة وستين إصدارا منذ العام 2005 ليصل الى مستويات عالية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي وبقيمة إجمالية تقارب الثمانية مليارات دينار.
وخلال الفترة منذ العام 2005 وحتى العام 2008، لم تكن السياسة النقدية حاضرة في الأردن؛ حيث استخدمت السندات الحكومية كأدوات تسديد عجز موازنة، وكانت الحركة في مستويات سعر الفائدة تلحق بتلك التي تحدث في الولايات المتحدة الأميركية لارتباط سعر صرف الدينار بالدولار، ولم تكن موجهة لتحفيز الاسثمار ونمو الودائع. وبعد العام 2008 عندما عاودت الولايات المتحدة الأميركية بتخفيض مستويات الفائدة على ودائع الدولار من جديد، لم نقم نحن في الأردن بتخفيض سعر الفائدة على ودائع الدينار لأن ذلك يخدم استقرار الدينار.
لقد كانت لخيار وزارة المالية والبنك المركزي في استخدام السياسة النقدية لخدمة أهداف الحكومة في تمويل إنفاقها أبعاد سلبية أخرى تمثلت في رغبة البنوك في الأردن في الاستمرار في شراء سندات الحكومة لقلة مستوى المخاطرة وارتفاع العائد، وشبه اكتفائها (أي البنوك) في هذا النوع من الإقراض على حساب القروض الاستثمارية التي تمنحها البنوك للمستثمرين، والحالة التي ترافقت مع الأزمة المالية العالمية منذ العام 2007، مما شجع البنوك على تضييق قبضتها على القروض الاستثمارية لصالح قروض الأفراد الشخصية لتصبح الأخيرة النوع "شبه الوحيد" من أنواع القروض التي تمنحها.
ولقد أدركت السلطة النقدية الوضع الحرج الذي وضعت نفسها فيه؛ فهي لا تستطيع الاستمرار مطولا في الاقتراض الداخلي من البنوك، لذا عزمت منذ العام 2010 على اللجوء الى أسواق السندات العالمية للاقتراض وأصدرت فعلاً إصدارين كان آخرهما في العام 2013. إن توجه السلطة النقدية في اللجوء الى الأسواق العالمية للاقتراض الخارجي لن يحل مشكلة تراكم العجز الحكومي، وإنما سيرحل المشكلة لفترة زمنية للمستقبل وسيخفف فقط من تراكم الدين الداخلي الذي أثر على الوضع الاقتصادي الداخلي العام. لم يتبقّ لدى الحكومة الآن من حلول إلا: (1) عملية "إدارة الدين" والمتمثلة بالإدارة الزمنية والكمية لدفعات الديون الداخلية والخارجية وما يدخل خزينة الدولة من موارد وما يخرج منها من إنفاق جار ورأسمالي ودفعات ديون وغيرها وبحيث تتقارب التدفقات النقدية التي تدخل الخزينة مع الخارجة منها، آخذة بعين الاعتبار تقلب مستويات أسعار الفوائد وسياسة ربط الدينار بالدولار وتواريخ استحقاق السندات المحلية والعالمية، (2) ضبط الإنفاق الحكومي وإعادة دراسة بنود الإنفاق فيه وترتيب أولويات الإنفاق ومن دون المساس بالإنفاق الإنمائي، و(3) إدارة المنح والمساعدات الخارجية بطريقة تخدم عملية إدارة الدين.

comp.news@alghad.jo

التعليق