الفساد حين يصبح مبرَّرا

تم نشره في الأحد 28 نيسان / أبريل 2013. 02:00 صباحاً

في الأردن لدينا أزمة في تطبيق التشريعات، وليس غيابها.
القاعدة السابقة تسقط على مختلف القضايا، ومحاربة الفساد ليست استثناء، إذ يتوفر عدد من التشريعات المهمة ومنها إبراء الذمة المالية، والجرائم الاقتصادية، لكنّ العيب كان دائما في التطبيق، والالتفاف على القوانين.
ما يحدث في الأردن يجري في كثير من دول العالم، إذ كشفت بيانات جديدة للبنك الدولي أن 78 % من البلدان المشمولة في قاعدة البيانات لديها أنظمة للإفصاح المالي، في حين أن 36 % من الدول فحسب تراجع إقرارات الإفصاح المالي لرصد أية مخالفات.
الأردن من بين الدول التي لا تراجع البيانات بهدف رصد الزيادات الطارئة على ثروات وممتلكات المسؤولين بعد تسلمهم للموقع العام، رغم أن الشواهد كثيرة على مظاهر الإثراء التي ظهرت على بعضهم فجأة.
ومع تشكيل كل حكومة وانتخاب مجلس نواب، وتعيين الأعيان، يبادر المسؤولون إلى إبراء ذممهم المالية، لبيان ما يمتلكونه من أصول وموارد مالية، بمجرد تسلمهم الموقع العام.
 لكن كم مرة جرت مراجعة هذه البيانات واستخدامها للتحقق من مصادر أموال المسؤولين الذين سرعان ما تظهر عليهم علامات الثراء؟
الإجابة ببساطة أنه لم تسجل سابقة بهذا الخصوص، لتؤكد أن ثمة نفعا من تطبيق القانون، وتحقيق الغاية التي وضع لأجلها، وهي محاسبة المسؤولين في حال تطاولهم على المال العام.
ما يحدث ليس مفاجئا، فنحن من دول العالم الثالث التي تطبق هذه المعايير لغايات إرضاء المؤسسات الدولية، والتغني بأن لديها من الضوابط الشكلية ما يكفي لإقناع هذه المؤسسات والدول المانحة، بأن التشريعات المطبقة تكفي لحماية المال العام.
عمليا، ما يتوفر من تشريعات، لا يعني أن ثمة رقابة حقيقية ومراجعات لكشوف حسابات أرصدة المسؤولين، فالالتزام بالتشريعات صوري لا أكثر.
ضعف المساءلة يرتبط بعوامل أخرى، تتعلق بعدم توفير المعلومات للمواطنين، ما يحد من الرقابة الشعبية على موظفي القطاع العام، ويوفر بيئة خصبة لإطلاق الاشاعات على المسؤولين، بسبب أجواء عدم الثقة السائدة، والتي تدعو للتشكيك بكل ما هو موجود.
اليوم، المطالبة بمزيد من تشريعات النزاهة في أَوْجها، وليس المهم أن تستجيب الحكومة بوضع التشريعات، بقدر تركيزها على التطبيق، الأمر الذي يتطلب وضع منظومة إجرائية لا يُقفَز عنها كما كان يحدث في الماضي، بحيث تضمن الالتزام بالقانون نصا وروحا.
 فإذا كان من الصعب استرداد ما نُهِب من المال العام في الماضي، لأن الفاسدين كانوا في غاية الذكاء واستخدموا ما يتيحه القانون من منافذ لقوننة فسادهم، فإن من المهم الآن وضع كل التشريعات والتعليمات التي تمنع ذلك مستقبلا.
لن أتحدث عن شخصيات العيار الثقيل، وسأركز على الموظفين العاديين في وسط السلم الوظيفي في الدوائر الحكومية، ممن باتوا يسكنون الفلل ويمتلكون المزارع، بعد أن تساهلوا بحماية المال العام وسهّلوا الاعتداء عليه، في ظل تفشي ثقافة مجتمعية، تقبل بالفساد وممارساته، تبرره وتشرعنه، كل لأسبابه.
النظرة الجديدة للفساد، وعدم تجريمه مجتمعيا، جعلت التطاول على أموال الخزينة سهلا وبأشكال متعددة، تحقق كسبا ولو قليلا، يبدأ بحفنة دنانير، ولا أحد يعلم أين ينتهي.
قانون "من أين لك هذا؟" مطلب شعبي، بيد أن إقراره دون توفر الإرادة لتطبيقه لن يضيف شيئا لملف محاربة الفساد.
 العبرة ليست في كثرة التشريعات بل الالتزام بها، وإحياء الإيمان بكل القيم الأخلاقية التي كانت تقف سدا منيعا في وجه الفساد، وإعادة الهيبة لدولة القانون والمؤسسات، التي لا تتوفر إلا في دولة ديمقراطية، تؤمن بضرورة توسيع المشاركة الشعبية في صنع القرار.

jumana.ghunaimat@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ما الحل (ابو زياد)

    الأحد 28 نيسان / أبريل 2013.
    مقال موفق، و لكن السؤال المهم هو من هو المسؤول عن هذا الحال؟ ما هي الجهة المقصرة بالتحديد؟
  • »غض النظر والتساهل والمصالح الشخصيه المشتركه هي اسباب الفساد (أردني بفكر حاله بفهم بمحاربه الفساد)

    الأحد 28 نيسان / أبريل 2013.
    عدة عناصر تساهم في انتشار الفساد وممارسته كالتي ذكرناها ويضاف عليها غياب الضمير والخوف من الله جل وعلا . فاذا اجتمعت هذه العناصر صار انتشار الفساد سهلا ويسيرا .ولقطع دابر الفساد والمفسدين يجب تفعيل الرقابه الشعبيه كما ذكرت استاذتنا الفاضله على الحكومه وممارساتها وافعالها ونشر البيانات الحكوميه من الاتفاقيات المحليه والدوليه بشكل دائم في الصحف وعلى الشبكه العنكبوتيه ونشر تفاصيل اوجه الصرف بالتفصيل اولا باول ايضا . اما ان يبقى الصرف غامضا ويجري اخفائه عن العامه فاؤكد لك ان الفساد سيبقى مستمرا ما حيينا .
  • »النفخ في قربة مثقوبة (huda)

    الأحد 28 نيسان / أبريل 2013.
    صدقيني لا فائدة ترجى الفساد متأصل ورجاله اقوياء ولا يستطيع القانون الوصول اليهم لانهم ببساطة فوق القانون اما انا فحسمت خياراتي وهي عدم العودة للبلد والاستقرار بشكل دائم في الولايات المتحدة
  • »انتشار الفساد بكل البلاد (زكي العبايله)

    الأحد 28 نيسان / أبريل 2013.
    هناك قوانين وتشريعات ولكن هناك ثغرات كثيره ينفذ منها الفاسدون ويستغلونها بالاضافه ان من يطبق القانون هو من يخترقه ولا ينفذه ويسرق وينفذه بسرقة وتطاوله على المال العام لعدم وجود من يحاسبه ويراقبه القانون بالنسبة للمتنفذين حبر على ورق ويطبقونه في بعض الاحيان على صغار الموظفين ..ان البلاء الاعظم في فساد مجالس ادارات الشركات العامه والخاصه وسرقتهم لاموال صغار المدخرين بالاسهم وبالاضافه لفساد المتعهدين والمهندسين والاطباء ان الفساد ضرب ويضرب كل شيء من رغيف الخبز وتلوثه الى اللحوم والخضار والدواء والهواء والاهم فساد التدين والذمم والاخلاق .
    ان الخصخصه والعولمه ومنظمة التجاره الدوليه والبنك الدولي وقوانين الاستثمار هي فساد عالمي تم تصديره لنا باسم التقدم والنمو
  • »القيم (الطاهر)

    الأحد 28 نيسان / أبريل 2013.
    القيم الاخلاقية التي ماتت عي الاساس فالمترصد للخطيئة لن يعدم السبل للوصول اليها في ظل القانون او عدمه وزرع الشعور بالمسؤولية الاخلاقية اكثر امانا من التهديد بالعقاب ففى الوقت الذي نحن فيه للتوعية السياسية والمران لممارسة الديمقراطية نحن بحاجة لتجسيد قيمالا تحتاج في مجتمعنا للخلق او الابداع بل للتلميع واعادة التاهيل فهي متاصلة فينا وان اعتراها الغبار او عدى عليها الصدا كم تصرف الدولة من جهد في محو الامية وبرامج التعليم والتعلم المادي وكم تبذل في سبيل التوعبة الخلقية وثقافة النزاهة والسلوك سوى شعارات تزين اللوحات الجامدة والاوراق الملونة طالما ان شجرة المبادى الخيرة قد يبست او كادت فاننا بحاجة الة غرسها من جديدلاجيالنا الزاحفة للغد في نفوسهم قبل ان نضطر لالباسهم اثواب المبادىء بالقوانين الجافة او المتجمدة بالروح والتطبيق والمقارن للوعي الديني اليوم وقبل عشر سنوات او خمسة عشر سنة بحس بان مجتمعنا قادر على شرب ثقافة النزاهة والاخلاق الوظيفية ومسؤولية العمل العام والخاص والاستمتاع بها مثلما شرب ثقافة الفساد والضلال قي غياب التوعية وضحالة مواردها.