نادر رنتيسي

120 عاماً تكفي!

تم نشره في الأربعاء 24 نيسان / أبريل 2013. 03:00 صباحاً

كلُّ الدعوات في عيد ميلادي الأول، تمنت لي، بصدق غير مشكوك في صدقه، مائة وعشرين عاماً من الحياة، وأتوقع أن نساء طيبات بالغن في الدعاء، وتمنين لي "العمر كله"، من دون تحديد عدد السنوات؛ فبعضهن ربما قدرن من ملامحي التي بدت عنيدة، أنني قد أصر خلال "طول العمر" على رؤية فلسطين بكامل اكتمالها، وهذا بالطبع ما يحتاج لأكثر من قرن وخمس القرن!
في العيد الثاني كان قد تبقى لي في رصيد الأمنيات مائة وتسعة عشر عاما، وسينقص أعواما مضاعفة في الأعياد التالية بفعل اعتيادي على سلوكيات غذائية "تقصف" عمرا من العمر، لكن المعايدة بقيت ثابتة، ولم تزد عاما واحدا على الأقل، مقابل الأعوام التي ذهبت، رغم أن الأمنيات بدت كبيرة على كاهلي: أن أكون الأول على صف الثاني الابتدائي ب، وأن أتلقى ترقية رياضية أنتقل فيها من الأشبال إلى "الفريق الأول"، وقبل ذلك كله أن يتمّ طهوري الذي تأخر "لأسباب لسنا في صددها الآن"!
وصار العمر ينقص في كل عيد "سنة حلوة" مثل قطعة "الكيك" السوداء، ومرة جاء وسط حرب أشقاء، فكانت معايدتي من قبل الأقارب المقربين أمنية مخلصة بأن أحيا حتى العام المقبل بسلام، وبالفعل لم أمت في العام التالي، ولا الأعوام التي تلت، لكنني احتفلت بعد عامين فقط ببلوغي العام العشرين، وكانت المناسبة مناسبة لكي تصبح الأمنيات أكثر واقعية: النجاح في الجامعة بمعدل مقبول، الحصول على وظيفة حكومية آمنة، والعثور على "بنت حلال" عاملة في بنك إسلامي؛ والحياة لمائة عام فقط!
ونجحت بمعدل مقبول أتاح لي وظيفة حكومية مطلقة الأمان، وزوجة عاملة في قطاع عام مخصخص، وأنجبت أولادا صالحين تلبية لدعوات صالحة من النساء المحارم اللواتي شهدن عيد ميلادي الثلاثين، وصرت أبا كبيرا في الأربعين قبل المائة، ثم جدا في الخمسين في منتصف المائة. وصار العمر ينقص بانتظام في كل عيد "سنة مرة" بملح الضغط، وحلو السكري، واقتصرت الأمنيات في حفلات الأعياد المتباعدة على الدعاء بالحياة حتى يصيبني الملل!
ولم يصبني الملل، فقد أخذت أعوام الميتين الذي شاركت في عزائهم، وأضفت "البقية في حياتهم"، إلى عمري الذي صرت أجلس فيه على كرسي من القش أمام محل "العطارة"، أرد السلام من أربعة مقاطع على المارة الذين لا أعرفهم، والأحفاد الذين تمنيت لهم بالأمس مائة وعشرين عاماً، ذهب خمسها ولم تكتمل فلسطين بعد، أشرب مشروبا ساخنا من عشبة تطيل العمر الذي مر عليه خمسون رئيساً للوزراء، وستون وزيراً تعاقبوا على الوزارة الآمنة التي عملت فيها حتى تمت إحالتي على التقاعد في الستين من العمر المتعب، في منتصف الـ 120 تماماً!
"العمر كله" مضى الآن، ولم يزل نصفه حسب المعايدة الكلاسيكية، ويهمني من باب الفضول أن أعرف ماذا سيجري في العالم في النصف الآخر من العمر: فقد تتحول الأجهزة الخلويّة إلى كائنات آدمية، ويصبح إنجاب الأطفال متاحا بالتزاوج المشروع بين "فيسبوك" و"تويتر"، أما حساب العمر فيصير مقتصراً على عدد الأصفار أمام وحدة "الجيجا بايت"، قد تنشب الحرب العربية الثالثة عشرة بسبب رفض "الغبراء" المتعالي الزواج من "داحس"، وقد أشهد الجولة الأولى من مفاوضات السلام نصف العادل، ونصف الدائم، لكنني لست متحمسا أبدا لأن أكون خبرا طريفاً على "الصفحة الأخيرة" يفيد بالعثور على معمر نادر من جيل انقرض وكان يحلم بعناد برؤية فلسطين بكامل اكتمالها!

nader.rantisi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »روعة (سهام وريدات)

    الأربعاء 24 نيسان / أبريل 2013.
    دائماً تضع يدك على الألم..دامت الروعة في الحرف والحس وأناقة الكلمة
  • »ما اجملك! (حياة الرفاعي)

    الأربعاء 24 نيسان / أبريل 2013.
    الله! ما أجملك! رغم الوجع الساكن في كل كلمة والكامن تحت كل حرف! كلماتك شموع ذاتية التوالد؛ تضيء
    دهورا من الظلمات، فنرى على هديها خيباتنا الأنيقة ترتدي آخر "صيحات" الألم!
  • »أنت اديب رائع (د. عبدالله عقروق / قلوريدا)

    الأربعاء 24 نيسان / أبريل 2013.
    كلنا في الهم شرقي .أنا تجاوزت ثلاثة ارباع القرن بسنتين . ففكرت ان لم اقدر أن اذهب الى القدس .فسأحضر القدس عندي . فكبرت صورة القدس ثلاثةأمتار مربعة ، واقعد بقربها أمام حاسوبي ،واسير في شوارعها وزقازقها وأرضها المبلطة .على كرسي متحرك . لآني لا اقوى على المسير وحدي . على فكرة يا نادر . أنا احضر الى عمان مرة أو مرتين كل عام ..هذه الصيفية أنا مصر على زيارة القدس .فهل ترافقني يا صديقي الشاب ؟ لم أكن أحبك ابدا في بداية قرأتي لك . اليوم أنتظر مقالك على أحر من الجمر ..أنت أديب رائع يا نادر .فسامحني على جهلي السابق
  • »120 تكفي (منى حكم)

    الأربعاء 24 نيسان / أبريل 2013.
    في منتصف الفترة الفاااصلة ولم أكتفي قط من تلك العشبة
    وترنيمة غريبة بذهني حاضرة ؛ وأكتفي بإلقاء التحية على المارة !
  • »وتستمر لك الدعوات بصدق (مي مرداوي)

    الأربعاء 24 نيسان / أبريل 2013.
    رائع وتستمر لك الدعوات بصدق ....(العمر كله ) بمزيدا وامطارا منك بجميل الكلمات وتألقها ......
  • »بكفيني 65 (نهلة)

    الأربعاء 24 نيسان / أبريل 2013.
    اعجبتنى ..وجاءت لى على نفس المناسبه
  • »زواج الكتروني (لينا)

    الأربعاء 24 نيسان / أبريل 2013.
    رح اتوقف عند فضولك بالمقطع الأخير فالحب غير مكان اقامته والحور العنيق الذي كتبت عليه فيروز اسم حبيبها صار متل رمل الطريق لان عشاق اليوم يقبلون شاشات الهواتف الذكية وربما كمان سيتعلمون بعد سنوات انجاب الاطفال عبر آبل ستور وقد يتم عقد القران من ايفون وسنسمع صوتاً الكترونياً يقول بالمجد والكرامة كللهما :))
  • »فلسطين (لينا جاد الله)

    الأربعاء 24 نيسان / أبريل 2013.
    رائع يا نادر... يكتبلنا زيارة فلسطين والعيش فيها قبل لنوصل المئة عام وعشرون
  • »كاتب متميز (مرواح أحمد)

    الأربعاء 24 نيسان / أبريل 2013.
    مقال غني جدا عن عبارة نقولها بلا تدقيق لكنك يا نادر صاحب عين مجهرية ترصد ما لا نشاهد وتقرأ ما ليس مكتوب هنيئا للغد على كاتب متميز مثلك ولك دوام التوفيق
  • »الدعاء يرفع البلاء (ليلى العدنية)

    الأربعاء 24 نيسان / أبريل 2013.
    الدعاء يرفع البلاء ويرد القضاء.لعلّ وعسى أن تكون دعواتهنّ مستجابة وأمنايتنا محققة.ولنحب أحلامنا ونتشبث بها مهما تأخر تحقيقها وليكن لنا قلب لا ييأس فربنا على كل شيء قدير!