فهد الخيطان

اقتل خالد

تم نشره في السبت 30 آذار / مارس 2013. 02:00 صباحاً

صدر الكتاب قبل أربع سنوات تقريبا، لمؤلفه الصحفي الأسترالي بول ماغوو، وباللغتين العربية والإنجليزية. وهو يروي فيه التفاصيل الدقيقة والخفية لمحاولة جهاز الموساد الإسرائيلي اغتيال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل، في عمان، العام 1997. السياسيون والمهتمون على نطاق واسع طالعوا الكتاب، وذهلوا من حجم المعلومات التي تمكّن الصحفي من الحصول عليها من مصادر أردنية وأميركية وإسرائيلية، ومن قادة حماس بالطبع. لكن هذا ليس موضوعي اليوم؛ فالكتاب كما ذكرت صدر قبل سنوات، ويحوي شروحات واسعة عن الظروف الملتبسة لنشأة "حماس" في غزة، ونشاطاتها في الخليج العربي وأميركا والأردن.
في الكتاب عدة فصول تصلح، وبامتياز، لأن تكون مساقا أكاديميا لطلبة السياسة في الجامعات الأردنية، وللطامحين إلى وظائف دبلوماسية في وزارة الخارجية، ودخول عالم السياسة وتبوؤ المناصب الرفيعة.
في بضع صفحات، يسرد المؤلف محاولة الاغتيال الفاشلة. لكنه يخصص عشرات الصفحات للطريقة التي أدار بها الملك الراحل الحسين الأزمة الأصعب مع إسرائيل. إنها بحق درس في السياسة، وفي علم إدارة الأزمات.
طاقم القيادة مع الملك لم يكن كبيرا؛ مدير المخابرات في ذلك الوقت سميح البطيخي، ومدير مكتبه الخاص علي شكري. وفي وقت لاحق، كان للأمير الحسن دور فعال في إدارة المفاوضات مع الجانبين الإسرائيلي والأميركي.
بدا الحسين مثل قائد الأوركسترا المجرب، يستعرض مهاراته وخبرات السنين الطويلة مع الأزمات؛ يتلاعب بالإسرائيليين، ويحرص على إذلالهم قبل أن يضع شروطه على الطاولة.
لم يكن القادة الإسرائيليون في مواجهة الحسين بأشخاص عاديين؛ بنيامين نتنياهو الماكر، وآرييل شارون المتعجرف والصلف، وداني ياتوم صاحب الخبرة العسكرية الطويلة، ومن خلفه جهاز الموساد بطاقاته المعروفة. كلهم في لحظة كانوا يزحفون لإرضاء الملك الحسين.
خلال سلسلة من الاجتماعات المكثفة مع أرفع القادة الإسرائيليين الذين تقاطروا إلى عمان، كانت ايماءة من الملك للبطيخي أو شكري كافية لينفجر أحدهم كالبركان في وجه شارون أو داني ياتوم، بكلام لم يسمعوه في حياتهم. وبحركة أخرى منه أيضا، يعود الهدوء للجلسة.
إصرار الملك على وضع الرئيس الأميركي في ذلك الوقت بيل كلينتون، في صورة العملية، كان تكتيكا غاية في الذكاء. فقد نجح في اجتذاب الإدارة الأميركية إلى جانبه، والتي ضغطت بدورها على نتنياهو وطاقمه الوزاري للقبول بشروط الحسين.
لم يكن الحسين يناور على الجبهة الإسرائيلية فقط، كان عليه أن يدير وبذكاء المفاوضات مع قادة "حماس" لإقناعهم بالصفقة؛ رهائن الموساد مقابل الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين وعشرات الأسرى الفلسطينيين والأردنيين من سجون الاحتلال. تكفل البطيخي بذلك، وحين يصل إلى طريق مسدودة مع موسى أبو مرزوق، كان اتصال هاتفي من الملك يكفي لتحقيق الانفراج.
ياسر عرفات، غريم "حماس"، كان في ذهن الملك وهو يقارب الأزمة؛ لم ينس حصته من الوليمة. وطوال المفاوضات، كان الرأي العام الأردني والعربي ضمن حساباته. وهكذا، كان رحمه الله يناور ويشتبك على خمس جبهات. في النهاية، فاز وخرج من الأزمة مرفوع الرأس.
ساسة هذه الأيام يكاد بعضهم أن يغرق في أزمة محلية صغيرة. لو يعودون إلى الكتاب ليتعلموا فن إدارة الأزمات.

fahed.khitan@alghad.jo

التعليق