"فيسبوك" والربيع العربي.. وحملات الكراهية!

تم نشره في الخميس 28 آذار / مارس 2013. 03:00 صباحاً

لم يختلف كثيرا رأي صديقي الذي عبر عنه بصفحته على موقع "فيسبوك"، قبل أيام، عن آراء مئات، بل وآلاف الأردنيين والعرب من مستخدمي "نعمة فيسبوك"، حيث بات يفكر جديا بإغلاق صفحته، و"تطليق الفيس" نهائيا، لأنه بات ينضح بالكراهية والآراء المتطرفة والشتائم من جميع الأصناف والأنواع، ما يثير في النفس السوية الأسى والاشمئزاز!
وأخص موقع "فيسبوك" بالحديث لأنه الأكثر انتشارا اليوم بين الأردنيين والعرب ضمن مواقع التواصل، بل الأكثر استحواذا على نشاطات ومداخلات الشباب الأردني والعربي "السياسية والاجتماعية والفكرية"، مما تشهده المواقع الإخبارية والصحفية الالكترونية والمطبوعة!
اللافت أن حملات التحريض على الكراهية والفتن، والردح والشتائم، لا تقتصر فقط على شرائح اجتماعية أو فكرية دون أخرى، بل يكاد "فيروسها" يطال مختلف الشرائح والقطاعات والتصنيفات السياسية والفكرية والاجتماعية. وتنتعش بضاعة مثيري الكراهية عند تناول قضايا سياسية بصورة أساسية، وفكرية أو طائفية بدرجة ثانية.
وفي جانب ما، فإن ما تحمله الصفحات الافتراضية "لمقيمي ونشطاء فيسبوك" يعكس بدرجة ما -أعتقد أنها كبيرة- واقعا سياسيا وفكريا وثقافيا مشوها، موجودا ومنتعشا على الأرض. فحروب داحس والغبراء العنصرية والشوفينية والتقسيمية، منتشرة بين شرائح واسعة، ولها نخبها و"مفكروها" ومنظروها؛ فيما تتوارى أو تعجز جهود قيادات فكرية وسياسية وازنة، ممن تمتلك وعيا غير مشوه، عن التصدي لتقديم حلول لهذا المشكل العميق في بنية المجتمع، سواء الأردني والعربي.
لا يمكن التقليل من خطورة ما ينشر على "فيسبوك" من كراهية وتحريض، بل وخزعبلات وهرطقات "سياسية وفكرية"؛ فهي في النهاية انعكاس للواقع المرّ على الأرض، وللحراك المجتمعي والنخبوي.
انتشر "فيسبوك" عربيا وأردنيا في السنتين الأخيرتين، رغم اقتحامه العالم الافتراضي عالميا منذ 2004. وقد ارتبط بثورات الربيع العربي، إذ شكل وسيلة تواصل وحشد فاعلة وإيجابية بين مجاميع واسعة من الشباب العربي، بما مهد وساعد في اندلاع هذه الثورات.
خطورة حملات الكراهية والتحريض الإثني والعنصري والطائفي، وبث الضغينة والفتن، عبر "نعمة فيسبوك!"، باتت أمرا مقلقا بحق، ويستحق أن يقرع من أجله الخزان!
ما الذي قلب نعمة "فيسبوك" من أهم عامل للنهضة والثورة الشعبية عربيا قبل عامين أو ثلاثة فقط، بما أطاح بأنظمة شمولية وزعزع غيرها، إلى وسيلة هدم وبث للكراهية والفتن؟! شخصيا، لا أملك الإجابة. وقد يحتاج ذلك لمساهمات مفكرين مختصين، هم أقدر على وضع هذا المشكل في سياقه الاجتماعي والسياسي والفكري.
أحد مفاتيح تفسير ذلك هو أن الربيع العربي، الذي شكل إحدى أهم الظواهر العربية الحديثة الإيجابية؛ اشتبك مباشرة وحصريا مع الأزمة السياسية للمجتمعات العربية، مع بعض الاشتباكات الفرعية وغير الجوهرية مع باقي الأزمات. واعتقد إن ربيعنا تجاهل حتى الآن الاشتباك مع الأزمتين الفكرية والثقافية، ما يفسر إلى حد ما سيادة الإقصاء الفكري والسياسي، وانتشار الكراهية ونفي الآخر، في العالم "الافتراضي".. تماما كما هو الأمر في العالم الواقعي.

majed.toba@alghad.jo

التعليق