ما الذي نختلف عليه؟

تم نشره في الخميس 21 آذار / مارس 2013. 02:00 صباحاً

في مقابلة ضمن مقال الصحفي جيفري غولدبيرغ بمجلة "ذي أتلانتك"، انتقد الملك ما اصطلح على تسميته "قوى الشد العكسي" التي تعيق الإصلاح، ووصفها بالديناصورات. التشبيه أزعج كثيرين ممن اعتبروه موقفا من العشائر الأردنية، ولا أعلم كيف توصلوا لهذه النتيجة؟
الإسقاط والتعميم كان مبالغا فيهما، لأن ما قاله الملك أمر تحدّث به كثيرون، سرا وعلانية، فلماذا يصبح الكلام صادماً عندما يتحدث به الملك؟
ما نُشر أغضب البعض، فقط لأن منسوب الصراحة فيه مرتفع. وساعد على تأجيج ردود الفعل، الخبر المقتضب الذي نشرته صحيفة "نيويورك تايمز"، والذي اجتزأ الكلام وأخرجه من سياقه.
على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي؛ "فيسبوك" و"تويتر" تحديداً، تابعت بشكل حثيث كثيرا مما كُتب. والملاحظ هو أن معظم التعليقات تكشف أن البعض لم يقرأ ما نشرته "ذي أتلانتك"، أو اكتفى بقراءة النسخ المترجمة.
ما نُشر ليس مقابلة صحفية تحتوي سؤالا وجوابا، بل هو مقال؛ حيث وُضع كلام الملك في إطار تحليل الكاتب وقراءته للمشهد الأردني، بشكل يكشف ضعف قدرته على تحديد حساسيات المجتمع الأردني. أيضا، تحدث الملك بصراحة متناهية عن العائلة المالكة، ووجه نقدا لبعض أفراد عائلته بدون أن يسميهم، لتأخرهم في فهم ماهية الربيع الأردني والتعامل معه. وفي هذه الموضوعة تحديدا، قال الملك ما كان يقوله النشطاء على هذه المواقع الاجتماعية وغيرها.
ليست هي المرة الأولى التي ينتقد فيها الملك دائرة المخابرات. وهنا أيضاً يشترك ما طرحه الملك بشأن تعديل أداء الدائرة، مع مطلب للحراك الداعي إلى الإصلاح، كما بعض الأحزاب والقوى السياسية. إذن، على ماذا نختلف؟
اكثر ما أغضب البعض استخدام كلمة "الديناصور"، لتوصيف قوى محافظة طالما أعاقت الإصلاح. ولربما يكون استخدام اللفظ غير صحيح، بيد أن المقصود به صحيح مئة بالمئة، والقوى المنشدة للإصلاح تعرف ذلك أكثر من غيرها.
ما قاله الملك لا يختلف في العمق عما يقوله الإصلاحيون؛ فالرسالة واحدة، ومضمونها متحقق واقعيا، ويتمثل في مراكز قوى وشخصيات رسمية محافظة، طالما أعاقت عملية الإصلاح، وهمشت إشراك الجميع في العملية الديمقراطية، وإلا لماذا أعيد قانون الصوت الواحد؟ ومن أين جاءت الدوائر الوهمية؟
المادة الصحفية تضمنت كثيرا من المواقف المهمة، وأهمها أن الملك مؤمن بالملكية الدستورية التي تطالب بها قوى سياسية؛ وتأكيده -كما في مرات سابقة- أن الملكية التي سيورّثها لولده، ليست كتلك التي ورثها عن والده المرحوم الملك الحسين، فلماذا تُغفل هذه التفاصيل؟
المشكلة حدثت، ولكن السبب الرئيس لها يتعلق بنظرة المسؤولين إلى الصحفيين الأردنيين مقارنة بكل ما هو خارجي. وهنا يأتي الحديث عن تعامل الجهات الرسمية مع الإعلام الأجنبي بنوع من التقديس غير المفهوم، رغم أنه غير مدرك لحساسيات البلد، ولا يقدر خطورة بعض التفاصيل. المشكلة ليست في السقف الصحفي والحرية، بل في قدرة الإعلام الأجنبي على فهم الواقع المحلي. وتغييب هذه المسألة بالتحديد عن ملف إدارة إعلام الملك، خطير؛ وها نحن نشهد نتائجه.
تفضيل الإعلام الخارجي على المحلي مسلك قديم، ودلالات تقديره مختلفة. وكثيرا ما وصلت المعلومات للإعلام المحلي، بدءا من تغير ولاية العهد وإقالة الحكومات وانتهاء بتكليفها، من وكالات الصحافة العالمية.  في ظل الاحتقان وعدم الرضا عن أداء الحكومات، وشعور المواطن بالظلم والقهر، أخذ المقال مدى أبعد مما هو متوقع. وردود الأفعال كانت من جميع الأطراف مبالغا فيها؛ فمن يوصفون بالموالاة أشبعوا الآخرين تهما وتجريحا، والمتعطشون للإصلاح بالغوا في تحميل المقال أكثر مما هو مطلوب.
التعقل يقتضي التعامل مع المسألة ضمن حجمها الطبيعي، وعدم المبالغة من قبل الجميع، حتى يتوقف الأثر عند هذا الحد، ولا يسمح لأي كان باستغلال ما حدث لأجندات خاصة، تعمق أزمة الوضع الداخلي.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لا توجد إساءة (عبدالله)

    الخميس 21 آذار / مارس 2013.
    لم اجد فيه اية اساءة وهو عبارة عن تحليلات رجعت للنص الانكليزي وليس للترجمة المقتضبة الى العربية من ترجمه الى العربية اختصره ليظهره وكانه يسي للناس ادعو الاردنيين لقراءة الناص كاملا بالانجليزية واللي ما يعرف يترجمه عند ناس امينين
  • »مقال رائع (معتصم)

    الخميس 21 آذار / مارس 2013.
    مقال رائع و مبدع.. فلنحافظ على أردننا من كل خداع سياسي مبني على دين مظلل، و لنبدأ بتطوير أنفسنا و أصلاحها لينعكس ذلك علي بلادنا بالإيجاب كنتيجة حتميه
  • »شكرا ً أستاذه جمانه . (مواطنة عادية جدا ً)

    الخميس 21 آذار / مارس 2013.
    مقالك رائع وتحليلك في غاية الموضوعية وانا من قرائك المتابعين لك دائما ً والمعجبين بمعظم ما كتبت ...يعطيك العافية .
  • »الاستمرار فى جلد الذات لن يجدى نفعا فى عصر العولمة (محمود الحياري)

    الخميس 21 آذار / مارس 2013.
    نشكر الاديبة والاعلامية المبدعة جمانة على تحليلها الدقيق واضافتها القيمة حول مقال الصحفي جفري وكلنا نعلم بان الاهم في هذة المرحلة الوصول الي التوافق بين كافة مكونات المجتمع للانطلاق الي الاردن المدني الديمقراطي الحديث ولن ينفع الاستمرار فى جلد الذات والقاء اللوم على القوى المعادية للديمقراطية سواء اكانت قوى الشد العكسي والبطولة تقتضي اجتراح افضل الطرق الممكنة للعمل معا وبروح الفريق الواحد الموحد للوصول الي اهدافنا المشروعة وتحقيق التنمية المستدامة وبما ينعكس على تحسين مستوى المواطنين جميعا وبدون استثناء.التحديات والعورات والاختلالات المالة امامنا جميعا تتطلب رص الصفوف والعمل الفعلي للتغلب عليها وايجاد الحلول افضل الحلول لحل مشكة الفقر والبطالة وايجاد فرص عمل للشباب العاطلين عن العمل .والشكر موصول للغد الغراء.واللة الموفق.
  • »مقال جمانة غنيمات (مروان خيطان)

    الخميس 21 آذار / مارس 2013.
    مبدعة اكثر من رائعة...شكرا