ما أكثر الموت المجاني في الأردن!

تم نشره في الخميس 7 آذار / مارس 2013. 02:00 صباحاً

من السيئ أن يصبح مجرد استعمال الطريق في بلدنا سبباً للتوجس. وربما ينبغي لي الاعتذار أيضاً عن افتتاح اليوم بمفردة "الموت"، لكن حقيقته القاهرة، وحضوره الكثيف، أقوى من التسلي بنسيانه. وقد أصبحنا نعاين مفردات الموت يومياً في أخبار الصباح: قتلى في حادث سير، حادثة قتل، طعن، إطلاق نار، شجار. وما كنتُ لأرغب في مناقشة الموت لولا مروري أخيراً بمسرح مشاجرة في أحد شوارع عمان، والتي أسفرت هي الأخرى عن موت مجاني. ولم أخرج بعد من حالة ضيق بالغ، آمل أن تغادرني بالكتابة!
وما في الدنيا أكبر مَقتاً عند عاقل من مشاهدة "بشر" يتشاجرون. ولم أسمح لفضولي يوماً بأن يستوقفني للفرجة على مثل هذا المشهد الهمجي. لكن سيارات الفضوليين المتلكئة على الطريق أجبرتني على مشاهدة الفصل المأسوي قبل أيام. ورأيت مجموعة كائنات فاقدة العقل –أربعة أو خمسة- تتراكض حول سيارتين متوقفتين في عُرض الشارع، أحدهم يلوح بعصا وسباب مقذع، وكأنه في حرب داحس والغبراء. وكان الأكثر بعثاً للقشعريرة في البدن مشهد الدم الآدمي المسفوح على صندوق إحدى السيارتين. وتمنّيت أن لا تتأخر الشرطة في القدوم، وشعرت ببعض السلوى حين توقفت دورية هناك وأنا أبتعد هارباً مطارداً بالقلق. ومنذئذ، يطبق على صدري نفس الشعور السيئ الذي يبعثه مشهد المشاركين في مشاجرة، فيصبحون كائنات مشوهة لا يناظرها في لؤمها كائن أو شيء. وفي اليوم التالي، علمت أن تلك المشاجرة –حسب وصف الصحف- أسفرت عن قتيل.
كنتُ عرفت ذات مرة زائراً من دولة مجاورة، قدِم للتحكيم في بطولة لإحدى الرياضات القتالية. وأخبرني الشخص الذي عرّفني إليه بقصته. قال إنّ والده كان بطل بلده في ملاكمة الوزن الثقيل، وحامل ألقاب عربية وعالمية في رياضته. ثم، ذهب هكذا.. "مثل شربة ماء". فقد قاده حظه إلى مسرح مشاجرة، وأوقعته شهامة ابن البلد وثقته بقوته في فخ التدخل لفضّ الشجار ولعب دور"الفزّيع". وهناك، غالته من حيث لا يحتسب ضربة سكين طائشة قاتلة، ليترك امرأته ثُكلى وأولاده يتامى. ولم أنس أبداً تلك القصة عن الموت المجاني.
وفي المشاجرة القاتلة التي ذكرتُ هنا، كان سبب الموت خلافاً سخيفاً على استعمال الطريق. وما أكثر ما تغصّ طرُقنا بأولئك الطائشين الكفيلين بإخراجنا عن أطوارنا بفرط القِحَة وقمة العبث. وقد أصبح الواحد يخرج من بيته وهو لا يستبعد الانجرار إلى منابحة غاضبة من أحد هؤلاء، ربما تنتهي به قاتلاً أو مقتولاً؟ وأصبح "ضيق الخلُق" تبريراً متداولاً للمشاجرات التي يشعلها سبب تافه، وتذهب غفلة بأرواح كان ينبغي أن تأخذ حصتها من الحياة قبل أن تغادر بطريقة أكثر احتراماً عندما يحين الحَين.
الحقيقة أن ضيق الأحوال و"الخلُق" لا يبرر اغتيال الناس بعضهم، وكثرة القتلى وحوادث الطرق، وإنما هو الضيق الفظيع المرعب في الأخلاق والإدراك. ولا أرقام جديدة لديّ، لكن إحصائية للعام 2010 وثقت 466 مشاجرة نشبت في الأردن خلال ذلك العام، أسفرت عن سقوط 100 قتيل وألفي جريح! يا لله! ماذا نسمي ذلك إذا كان الشرط العالمي للحديث عن حرب أهلية يتحدث عن سقوط 25 قتيلاً فما فوق في السنة، في "الاشتباك"؟ وكيف إذا أضفنا 7 آلاف أردني قتيل، ونحو 175 ألفا آخرين أصيبوا بجروح في حوادث السير
–معظمها لأخطاء بشرية- خلال عقد واحد؟!
لن أخوض في أسباب تميّزنا في العنف الاجتماعي، ورقمنا العالمي في حوادث السير التي أصبحت –للأسف- من سماتنا البارزة. لكنني أدعو إلى وقفات شخصية لتأمل ما دهانا نحن الأفراد. ثمة لحظة –أو لفظة- فقط هي التي تبدأ عراكاً يسهل أن ينتهي بمقتل أحد. وليت الواحد يرى نفسه في المرآة حين يعلو صوته ويتنكبه الغضب، كيف تغادره السمات الآدمية ويتحول إلى وحش بشع، ربما ينتهي إلى "مجنون يرمي حجراً في بئر، فلا يمكن لألف عاقل أن يخرجوه".
قد لا تعني الميّتَ طريقة موته، لكنها حتماً تعني الأحياء. ينبغي أن يستوقفنا كل هذا الموت المجاني لمواطنينا -قتلاً، بسبب كلمة بدأت شجاراً، أو صفاقة متهور يستهتر بأرواح مستخدمي الطريق!

ala.zeineh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الجرائم (مايا)

    الأحد 31 آذار / مارس 2013.
    موضوع يثير الاهتمام
  • »مقال حزين جدا (رشا شاهين)

    الخميس 7 آذار / مارس 2013.
    لاننا في هزه البلد نسابق الموت
  • »بإختصار شديد (مواطنة عادية جدا ً)

    الخميس 7 آذار / مارس 2013.
    المسألة برمتها يا سيدي ...أزمة أخلاق ليس أكثر!
  • »aaakrouk@comcast.net (د. عبدالله عقروق / فلوريدا)

    الخميس 7 آذار / مارس 2013.
    الاسستاذ الكبير ، الذي افخر جدا أن ألقبه ولدي .الأديان السماوية كلها تؤمن بأن الله وحده هو الذي ، سبحانه وتعالى ، يسترجع وديعته .وان قدرنا والمكتوب يلعبان أهم عنصران في موتنا .الحروب والأصطدمات والأمراض والشجار والكوارث الطبيعةوغيرهم من مسببات الموت هم آليات موت فقط .فوجودنا في المكان الخطأ ، يعني أن أجلنالنموت قد أتى وقته ، وكأن حضورنا هو أن نموت بالألية التي سنقع بها .فأنا عندماأركب الطائرة ، وبصفتي أني أتحرك على كرسي متحرك فأجلس في الصفوف الأمامية ، وأدخل أول المسافرين.فأصرف وقتي التبحلق بوجوه كل الركاب ، وأقول في نفسي أن الله جمعنا من كل صوب لأن أجلنا كلنا أن نموت فب لحظة وقوع الطائرة ، التي هي احدى آليات الموت .لا يملك احد الحق بقتل أحد .أما الألية التي بيدنا هي التي اوقعت هؤلاء الذين جاء قدرهم ليموتوا
  • »من امن العقوبة .......اساء الأدب. (ياسر)

    الخميس 7 آذار / مارس 2013.
    المطلوب قانون اعدام( نعم اعدام) للقتل المتعمد حتى نوقف هذه الظاهرة المتزايده.
  • »أسود صغيرة (wafaa damas)

    الخميس 7 آذار / مارس 2013.
    اسعد الله صباحك ..
    مقال مؤسف وحقيقة مرة زادت عن المألوف
    العنف المجتمعي بدا يظهر عند أطفال 6سنوات فتجدهم في ساحات مدارسهم يقاتلون بعضهم البعض وكأنهم أسود صغيرة في غابة لآ يحكمها أحد طبعا التربية الأسرية لها دخل كبير عندما يربون أبنهم على مبدأ القصاص فبدلآ من قول الأم لأبنها اذا اغضبك أحدهم أذهب وشتكي للمدير تقول له خد حقك بأيدك ..تنمو معه هذه العادة الى ان يكبر فيصبح شخص شديد الأنفعال لديه حساسية كبرى من أي كلام ولا يستطيع ضبط أعصابه مما يبرره لنفسه..ويتبرره عائلته..برأي انه لو تطبق قوانين صارمة للأشخاص الي ما بيعرفو يضبطوا اعصابهم وتعاقبوا من الصغر وطبقت عليهم القوانين في الكبر لتغير كل شيء ..سلمت يداك