بين مجزرة الخليل واليوم

تم نشره في السبت 23 شباط / فبراير 2013. 03:00 صباحاً

مرّ تسعة عشر عاما على مجزرة الخليل الرهيبة العام 1994 التي تحل ذكراها هذه الأيام، ليظهر أمامنا مشهد قاتم. فالإرهاب الاستيطاني وإرهاب الاحتلال "الرسمي" الذي ارتكب تلك المجزرة، زاد استفحالا، ومعه الاحتضان الإسرائيلي الرسمي والشعبي له. كما اتسع الاستيطان في الخليل وزاد شراسة. فما بدا في تلك الأيام بأن المجزرة تمثل نقطة تحول، يظهر اليوم أنها كانت نقطة تحول في الاتجاه الآخر.
فقد اقتحم الإرهابي باروخ غولدشتاين، وهو طبيب، الحرم الإبراهيمي الشريف خلال صلاة الفجر في شهر رمضان، ليطلق النار على المصلين، ويقتل 29 مصليا ومعهم عشرات الجرحى والمصابين. وحينما انتفض الناس، بداية لإنقاذ المصابين ثم احتجاجا، ما كان من قوات الاحتلال إلا أن تواصل المجزرة، ليصل عدد الشهداء إلى 50 شهيدا في يوم واحد، في نقطة جغرافية واحدة.
في ذلك اليوم، قيل لنا إن إسرائيل "تستفيق على يوم جديد". وشهدنا سباقا بين الساسة والعسكريين في تصريحاتهم لوسائل الإعلام الإسرائيلية، داعين إلى وضع حد لإرهاب عصابة "كاخ" التي تشكل البؤرة الاستيطانية في البلدة القديمة في الخليل ركيزة أساسية لها. فاجتمعت حكومة إسحاق رابين، وقررت إخراج الحركة على القانون، بهدف امتصاص ردود الفعل في العالم الذي كانت ما تزال فيه حينها بعض الزوايا الإيجابية من جهة قضية الشعب الفلسطيني. ولكن تلك الحكومة غضت الطرف كليا عن المطالبات بإزالة البؤرة الاستيطانية في الخليل.
جرائم الاحتلال متعددة وكثيرة، وما "يميز" الخليل عن سائر مدن الضفة الغربية، بما فيها القدس، أنه تلتقي فيها كل نماذج جرائم الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني. وتجاهل العالم لما يجري في الخليل، هو أيضا نموذج لتجاهل العالم لقضية شعب بأكمله.
فالبؤرة الاستيطانية اتسعت، وتزداد فيها أعداد المستوطنين. وبدلا من إزالتها عن الوجود، أغلق الاحتلال المحال التجارية وعشرات البيوت الفلسطينية في البلدة القديمة، لخدمة المستوطنين الإرهابيين، والحفرة التي ألقيت فيها جثة الإرهابي غولدشتاين وسميت قبرا، باتت مزارا يحتفل حوله المستوطنون "إحياء لذكراه"، خاصة في هذه الأيام التي تصادف "عيد المساخر" العبري، لأن غولدشتاين بالنسبة لهم بات "قديسا" و"بطلا قوميا"!
أما حركة "كاخ" التي تم إخراجها على القانون، فقد ظهرت "بألف لبوس ولبوس". فتعددت بداية، الحركات التي ظهرت كتورية لاسم الحركة الأصلي. ولكن لاحقا، عاد الاسم منتشرا، وأعلام الحركة "ترفرف" حتى في ساحات الكنيست في أوقات مظاهرات اليمين. وليس هذا فقط، بل إن الحركة عادت لتكون ممثلة في الكنيست؛ ففي الدورة السابقة كان لها نائب واحد، وفي الانتخابات الأخيرة، كادت "كاخ" تدخل الكنيست بمقعدين، واحتاجت إلى آلاف قليلة جدا من الأصوات لتجتاز نسبة الحسم، ولكن عمليا، فقد حصلت على حوالي 68 ألف صوت في هذه الانتخابات.
ورعاية إسرائيل الرسمية للإرهاب تظهر بشدة في هذه الأيام، عبر استمرار محاكمة ستة من فلسطينيي 48 من أبناء مدينة شفاعمرو، و"الجُرم الخطير جدا" الذي ارتكبوه، هو أنهم لم يسمحوا للإرهابي الذي ارتكب مجزرة في مدينتهم صيف العام 2005، بأن يستمر في جريمته ويقتل عربا أكثر. في حين أن إسرائيل منحت "أوسمة" ليهود قتلوا فلسطينيين، لمجرد أنهم تخيلوا، مجرد تخيلوا، أنهم ينوون تنفيذ عملية ما.
والإرهابي الذي ارتكب مجزرة شفاعمرو خرج من البؤرة الإرهابية ذاتها التي خرج منها مرتكب مجزرة الخليل، ما يؤكد أن إسرائيل بالفعل "تغيرت" في السنوات الـ19 الأخيرة؛ بأن باتت أكثر وحشية في إرهابها وجرائمها ضد الإنسانية.
رمزية أخرى تتمثل في أنه تحل ذكرى مجزرة الخليل هذا العام، بالتزامن مع كشف إسرائيل عن برتوكولات جلسة الحكومة الإسرائيلية قبل 30 عاما، لبحث توصيات لجنة تحقيق شكلتها في أعقاب مجزرة صبرا وشاتيلا. يومها ما كان بالإمكان التستر على الجريمة، وكان من توصيات تلك اللجنة إقالة وزير الحرب أرييل شارون، على أن لا يتولى منصبا أمنيا لاحقا. ولكن "البطل الإسرائيلي" بامتياز، عاد بعد 18 عاما من تلك الجلسة التي اضطر فيها للاستقالة، ليكون رئيس حكومة، في بدايات العام 2001. فتذكروا ما جرى في الضفة الغربية وقطاع غزة من مجازر في تلك السنوات، تحت إشراف الإرهابي ذاته: شارون.

التعليق