المسيحيون العرب بعد ثورات الربيع العربي

تم نشره في السبت 23 شباط / فبراير 2013. 03:00 صباحاً

أفضت ثورات الربيع العربي حتى الآن، إلى تصدّر الجماعات الدينية السلفية "الإسلامية" المشهد السياسي؛ سواء في البلدان التي أنجزت ثوراتها، مثل تونس ومصر، أو تلك التي ما تزال منخرطة فيها، مثل سورية. ومن الطبيعي أن يكون لهذا التطور التاريخي في منظومة الدولة العربية المعاصرة، تأثير مباشر على المواطنين العرب الذين يدينون بديانات أخرى، وعلى وجه الخصوص المسيحيون العرب الذين ظلوا حاضرين في المشهد العام للعالم العربي، وذوي تأثير فكري واقتصادي وسياسي بيّن فيه، بخاصة خلال القرنين الأخيرين، وتحديداً في مصر وبلاد الشام.
وإذا لم يكن هذا الواقع السياسي الجديد الذي أنتجته ثورات الربيع العربي، مرحلياً أو انتقالياً، وصار مترسخاً وثابتاً، فإن ما يقال عن نفور المسيحيين الأقباط في مصر مثلاً، من هذا الواقع، واتجاههم إلى الهجرة خارج أوطانهم -وهو أمر كان صرح به بابا الأقباط الجديد تواضروس الثاني- ربما يتعاظم، وينتج عنه ارتباك اجتماعي كبير لا يخدم تطوير البلدان العربية وتنميتها. هذا رغم أن جماعات الحكم الديني الجديدة، سواء كانت الإخوان المسلمين أو الجماعات السلفية، لم تفعل حتى الآن ما يمكن أن يُفهم منه تعمد مضايقة مواطنيهم المسيحيين، باستثناءات محدودة؛ مثل بعض نصوص الدستور المصري الجديد. ولكن ردة فعل الأقباط، وتالياً المسيحيين العرب الآخرين، تعكس عدم موافقتهم على الاندماج في الواقع السياسي الجديد.
على أن هذه ليست المرة الأولى التي يبدي فيها الأقباط في مصر عدم رضاهم عن تغيير الواقع السياسي. فعقب ثورة تموز (يوليو) 1952، ظهرت مؤشرات على اتجاه الأقباط للهجرة إلى الخارج، سواء بسبب قرارات التأميم التي اتخذها نظام الثورة، وطالت رؤوس الأموال التي كان يمتلكها الأقباط، المعروفون وقتها بنشاطهم في التجارة والاقتصاد، أو بسبب حل ما كان يسمى "جماعة الأمة القبطية" التي كان أسسها محامٍ قبطي هو "إبراهيم فهمي هلال" في أيلول (سبتمبر) 1952، محاولاً محاكاة تجربة جماعة الإخوان المسلمين، بخاصة على صعيد اتباع نهج العمل الاجتماعي لكسب الأنصار والمؤيدين.
ويذكر كتاب "التطوّر الفكري لدى جماعات العنف الدينية في مصر الإسلامية والمسيحية" (تأليف كامل عبدالفتاح بحيري، 2008)، أن عدد أعضاء "جماعة الأمة القبطية" كان وصل إلى 92 ألف عضو عشية حلها بقرار قضائي في نيسان (أبريل) 1954، بعد ممارسات ذات طابع عنيف قامت بها؛ منها تنفيذ هجوم مسلح على المقر البابوي، ثم اختطاف البابا وحجزه في مكان خارج القاهرة، بسبب خلافهم معه على إدارته للكنيسة.
فيما بعد، عُرفت العلاقات بين الأنبا شنودة الثالث والرئيس أنور السادات بالتوتر، بسبب صدامات السلطة مع أحداث فتنة طائفية بين الجماعات الإسلامية المتشددة (التكفير والهجرة، جماعة الجهاد، الجماعة الإسلامية..) ومجموعات قبطية نشيطة، بخاصة في الصعيد. وأدى الخلاف في نهاية المطاف إلى اتخاذ السادات قراراً في العام 1981 يقضي بإلغاء موافقته على تعيين الأنبا شنودة الثالث بطريركاً للكرازة المرقسية، وتشكيل لجنة من خمسة أساقفة للقيام بالمهام البابوية. وقد ألغى مبارك هذا الإجراء، وأعاد شنودة إلى منصبه، في مطلع العام 1985.
هكذا، فإن التغيير السياسي ظل في كل مرحلة ينعكس سلبياً على مدى رضا المسيحيين العرب عن ما يجري في أوطانهم. ومخرجات الربيع العربي ليست استثناءً. وربما يمكن في هذا السياق تفسير تأسيس "مجلس الكنائس المصرية" مؤخراً، الذي جمع المسيحيين المصريين بمختلف طوائفهم للمرة الأولى، ممثلاً مرجعية موحدة لهم.
ألا تلاحظون أن الانشغال بالخلافات الطائفية ظل يعطّل منذ ستين سنة، الالتفات إلى قضايا التنمية التي تحتاجها أوطاننا، ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، لأن الصراع على هويّة الوطن يمنع التوافق على تطويره؟ فلتنجزوا التنمية أولاً يا جماعة، ثم تصارعوا على جلد الدُّب!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »من ورائهم ..؟؟؟ (وليــــد خرينـــــو)

    السبت 23 شباط / فبراير 2013.
    المقال برغم اختزاله للعديد من الحالات في مصر ... إلا أنه يقرع جرس تنبيه مهم جدا" في مصر خاصه وعلى الصعيد العربي عامة ... ولكن أنا أرى بأن الكاتب تطرق الى تصرفات المتأسلمين من باب المغازله ولم يوجه لها إصبع الأتهام مباشرة ... هذا من ناحية ... أما من ناحية أخرى ... أغفل الكاتب الدور الذي تقوم به الصهيونيه العالميه لإثارة فتنه طائفيه في مصر تساعدها في ذلك الحركات الأسلامويه عن قصد أو عن غير قصد ....
  • »الدولة المدنية (محمد منير)

    السبت 23 شباط / فبراير 2013.
    اعتقد أنها نفس المشكلة التي تطرقت لها في مقال سابق... فالمشكلة ليست في الاقباط وحدهم، وكذلك ليست في ممارسات الحاكم الجديد بحق الاقباط... وإذا أردنا أن نكون منصفين فإن الحكام الجدد لمصر وهم الاخوان المسلمين ما فتئوا يبعثون برسائل تطمين للاقباط... مشكلة الاقباط، كغيرهم من المعارضين للحكم "الاخواني" في مصر هي مع (من يحكم) وليست (كيف يحكم)، واسمح لي أن اقتبس المصطلحين من مقالك حرفيا... أعتقد أن على الحكام الجدد أن يكونوا أكثر جدية في تأسيس الدولة المدنية الجديدة التي عمادها المساواة والمواطنة للجميع، وهي مشكلتهم بالدرجة الاولى والثانية والثالثة... فهم من تنطعوا للحكم في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الامة ولم يجبرهم أحد على ذلك.