ياسر أبو هلالة

صرخة العويني وبكاء الغنوشي: هذه تونس

تم نشره في الأحد 10 شباط / فبراير 2013. 03:00 صباحاً

سيظل في عنق كل حر في العالم العربي دين لتونس، فذلك البلد البعيد عن المركز الصغير في إمكاناته، تحول في لحظة تاريخية إلى المركز الذي تتخطى إمكاناته دولا كبرى.
   ثورة تونس كانت ثورة جيل ولم تكن ثورة فصيل. وبقدر ما أحب الأحرار تونس، كرهها الطغاة الذين زلزلت عروشهم. عندما صرخ المحامي عبدالناصر العويني، وهو اليوم الناطق باسم الجبهة الشعبية في تونس"ابن علي هرب" تردد صداه في العالم، ومن المشاهد المؤثرة في ذلك اليوم بكاء الغنوشي تأثرا بتلك الصرخة وهو يجري مقابلة على قناة الحوار.
     لم يدر ببال أحد ما هي خلفية الصارخ وخلفية الباكي، كانت فرحة تاريخية لكل المنطقة، ولسان حال كل مظلوم متى أهتف بهرب الطاغية. لحظتها اكتملت الثورة التونسية، وبدأت تتحول إلى مشروع دولة تتزاحم فيه المصالح وتتناقض، حتى داخل الحزب الواحد.
    عبدالناصر العويني شخصية ظريفة، على رغم حدته اليوم على حركة النهضة، ومن شهير طرائفه في محاكمة الحزب الدستوري أنه قال لمحامية الحزب أنت  كنت مع السلطة، واليوم الثورة هي السلطة فكوني معنا! وهذا صحيح، فالثوار سواء من المستقلين أم من اليسار أم الليبراليين أم القوميين أم  من الإسلاميين هم اليوم يتنافسون على السلطة، ولا يتنافسون على من يتصدى لرصاص قناصة بن علي بصدره العاري.
    في الديمقراطية لا نعيد اكتشاف العجلة، الصراع تحسمه صناديق الاقتراع، في تونس اليوم الرد عبر الصندوق، اغتيال الشهيد شكري بلعيد عمل وحشي إجرامي ينتمي لحقبة بن علي، ومع إيماني العميق ببراءة النهضة فكرا وأداء إلا أن العمل أضر بها كثيرا، وخدم خصومها. وهي تعاملت مع الجريمة بأخلاقية وحكمة، ومهما كان الثمن الذي ستدفعه في تشكيل حكومة كفاءات فإنه يظل أقل من تمسكها بحقها في الإبقاء على حكومة شرعية منتخبة.
    أن تكسب تونس وتخسر النهضة فهذا كسب آجل غير عاجل لها، والشعب التونسي من حقه أن يتعاطف مع تيار بلعيد اليوم، أيا كان القاتل سواء مخابرات فرنسية أم جهات سلفية مخترقة أم غير مخترقة. وهذا سيحدث توازنا في المشهد الذي يميل بقوة لصالح الإسلاميين. وفي المراحل الانتقالية يظل التنازل سيد المواقف. وقد اعتادت النهضة على التنازل لخصومها من اليوم الأول.
   لعل أسوأ ما في الاغتيال أنه فتح شهية الإقصائيين للتهجم على النهضة بالباطل، مع أنها من أنظف التيارات السياسية في العالم، وتشكل تجربة تستحق الاقتداء والدعم والمساندة، بقدر ما تستحق النقد والتوجيه والمحاسبة. الاغتيال السياسي ظاهرة عالمية ووزير الداخلية علي العريض مناضل قل نظيره عالميا أمضى أكثر من عقد في زنزانة انفرادية وخرج يحمل روحا حرة تنشد الخير للبشر.
   بحسب ما نقل الصحفي المستقل سمير الوافي عن بلعيد قبل استشهاده بـ24 ساعة فإنه رفض حماية وزارة الداخلية، رغم ما وصله من تهديدات. لم يكن خائفا ولا مرتبكا وختم حديثه قائلا "الأعمار بيد الله" ثم ركب السيارة واتفقنا على المهاتفة. وكانت نهاية رجل شجاع، طالما دافع قبل الثورة بإخلاص وشجاعة ونزاهة وضمير عن حرية الذين حرضوا اليوم على قتله وكرهه وإسكات صوته. إنه شهيد الحرية وضحية الحقد وسيظل حيا في ذاكرة التاريخ مهما اختلفنا معه ايديولوجيا. ورغم حملته على الشيخ راشد إلا أنه في اللقاء الذي دام حوالي ثلاث ساعات عبر عن احترامه لحمادي الجبالي وعلي العريض واصفا الجبالي "برجل الدولة الذي غلبه ضميره". طبعا الدولة والثورة تسبب أزمة ضمير، المهم أن يبقى الضمير حيا، وفي تونس كثير من الضمائر الحية.

yaser.hilila@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لتونس ما لغيرها (يوسف عقيلان)

    الثلاثاء 12 شباط / فبراير 2013.
    لم تحمل اللغة الثورية مفردات اشد وقعا على القلب من المقولة التي رددها صاحب المقهى البسيط احمد الحفناوي وهو يقول( هرمنا من اجل هذه اللحظة التاريخية) وهي تمثل الثورة التونسية بأبطالها الحقيقيين من الشعب المتحضر والواعي باختلاف اطيافه. لكني اختلف مع الكاتب في ايمانه المطلق بما يفعله الاسلاميون في اي مكان دون تحفظات منه على اخطائهم. فحركة النهضة رغم اعجابي بها وبتجربتها في العمل السياسي العام رغم قصر مدته والتي لم تتجاوز العامين من عمر الثورة لم ترتقي لتكون انظف تيار سياسي في العالم حسب وصف الكاتب, ولربما قصد في الحركات الاسلامية وهنا قد اتفق معه بالتخصيص لأنها وعلى عكس الاسلاميين في مصر تعاملوا مع مشكلة اغتيال بلعيد لاستهدافهم وتحريض الشارع عليهم بكل وعي سياسي وتنازلوا عن حقهم الشرعي في الحكومة لصالح حكومة كفاءات واشراك خصومهم السياسية تغليبا لمصلحة الدولة وانقاذا لموقفهم الشعبي. وهي نقطة تحسب في سجلهم السياسي وتدل على وعيهم اتجاه الشارع. ان دراسة تقلبات المزاج السياسي للشعوب العربية اتجاه التيارات السياسية في الربيع العربي والتعامل معها بديناميكية وعدم الثبات والتصلب بالمواقف يؤدي الى النجاح والخروج بربيع عربي مزهر. ولا تمكن اي طرف من افشاله. او فشل الحركات السياسية.
  • »jkkj@kkjk.com (كفاكم حقدا على المتدينين)

    الأحد 10 شباط / فبراير 2013.
    إذا كان الاغتيال يخدم جهة فهو بلا شك يخدم خصوم الإسلاميين و يهدد بإشعال حرب داخلية تزعزع استقرار حكم الإسلاميين و هو المطلوب لأعداء الإسلامييين و قد يتكرر السيناريو نفسه في مصر بهدف التشويش على الإخوان هناك و مهما مكروا فالله خير الماكرين ، و من يقول بإن الإسلاميين يهاجمون غير المحجبات و غير الملتحين هو مفتر حاقد يعلم أن هذا الأمر غير صحيح .
  • »الاسلاميون على حق مهما فعلوا..؟!؟! (Sami)

    الأحد 10 شباط / فبراير 2013.
    الشمس لا تغطى بغربال..منذ اسلام حركة النهضه و القوى المتأسلمه تعيث فسادا و ارهابا في تونس, و ما لم يظهر في الاعلام ادهى و امر.. و اليوتيوب ملئ بما يوثق بعض من ارهابهم بحق السيدات غير المحجبات و الشباب غير الملتحي و تدمير الاثار و النصب التاريخية و المزارات. كنا نعترض على منع الحجاب في زمن بورقيبه من باب الحرية الشخصية و نعترض اليوم على الاجبار على الحجاب من نفس المنطلق و بثبات في المبدأ.
    ان استمر الوضع هكذا فقريبا سنرى افغانستان جديده في شمال افريقيا.
  • »هل أصبحتم تدافعون عن الأنظمه اليوم فقط لأنها مصبوغه بصبغه اسلاميه؟ (علي)

    الأحد 10 شباط / فبراير 2013.
    حركة النهضه ارخت الحبل للاسلاميين التكفيريين ومن يقصي الأخر ومن يريد الأنقلاب على ماضي تونس الحدائثي الذي قل نظيره في العالم العربي فحصل ما حصل, أغتيال بلعيد وما يحصل في عالمنا العربي اليوم من تكفير متهميش وقتل وقمع بأسم الدين يحتاج الى وقفة مراجعه والى تعديل المسار لا الى تبريرات واهية وتلميحات لا تقنع أحد.
  • »القتلة معروفين ! (ابو خالد)

    الأحد 10 شباط / فبراير 2013.
    لا ادري لماذا تم أقحام المخابرات الفرنسية في متن المقالة ,هذا مؤشر الى أننا على موعد مع أقحام الموساد في الأغتيالات القادمة.
  • »كفى استخفافا بعقل القاريء (أبو رياض)

    الأحد 10 شباط / فبراير 2013.
    لن أتهم أو أبريء حزب النهضة في قتل الشهيد بلعيد ولكنني اتهم من أفتوا بقتله وذاك تحريض على القتل يجرمه القانون
  • »مسؤولية حركة النهضة (محمد حسين - تونس)

    الأحد 10 شباط / فبراير 2013.
    لا أشاطر الكاتب ما ورد في مقاله، الجيد عموما، من قول بأن التهجم على حركة النهضة هو "تهجم بالباطل". حركة النهضة شجعت العنف اللفظي والمادي بتغاضيها عن مرتكبيه، وبمحاولة إيجاد التبريرات لهم، وبأتباع خطاب مزدوج "يعطيك من طرف اللسان حلاوة...."
    حركة النهضة فتحت أبواب تونس للظلاميين يرتعون فيها وينشرون عقلية التكفير وثقافة "اضربوهن" ويدعون إلى ختان الإناث وإلى خنق حريات الإبداع والتفكير والتعبير.
    حركة النهضة شجّعت بتواطؤها مع الإرهابيين الخروج عن القانون ويسّرت إفلاتهم من العقاب فخلقت بذلك البيئة المواتية للإغتيال.
    للكاتب الحق في أن يؤمن "ببراءة النهضة فكرا وأداء" إلا أن الواقع المسجّل يتعارض مع ذلك.