ياسر أبو هلالة

معنى أن تكون لاجئا

تم نشره في الخميس 31 كانون الثاني / يناير 2013. 03:00 صباحاً

من خلال تغطية مخيم الزعتري صحفيا أو إغاثيا، يمكنك استعادة لحظة اللجوء الفلسطيني قبل 65 عاما. يومها بدأ المخيم بمساحات تضم خياما، ثم تطور بعض الخيام إلى وحدات سكنية من خلال البيوت الجاهزة، أو بناء مساكن من الصفيح والخشب. والشوارع التي تشق على عجل تتخللها شبكات تصريف مياه الأمطار المكشوفة. مع الوقت، يتحول المؤقت والعابر إلى دائم ومعاش ومستقر، وتنسى القضية الأساسية، وهي النظام الصهيوني الذي شرد الناس من مساكنهم ومزارعهم ومراعيهم وأعمالهم، إلى اعتبارها قضية غوث. وهو ما يتكرر مع اللاجئ السوري الذي شرده نظام دكتاتوري وحشي.
دخل كثير من السوريين الأردن قبل الثورة حرفيين مهرة. ولم تكن العمالة المصرية أو الآسيوية أو العراقية وحتى الأردنية قادرة على منافستهم. ومع بداية الثورة، كان اللاجئ يدخل بشكل نظامي إلى أن تهدأ الأحوال. ثم اقتصر اللجوء على المعابر غير الرسمية (الشيك). وقبل الزعتري لم يكن للجوء معناه القاسي؛ كان نظام التكفيل يسمح بتقديم الدعم والتشغيل بصورة سلسة. لكن بعده تجسد اللجوء بأقسى صوره.
في كل إنسان سوري مأساة لم يصطحبها اللاجئ الفلسطيني من قبل. خرج الفلسطيني وترك طبخته على النار، معتقدا أنه سيعود إلى بيته قريبا. والسوري خرج وبيته مدمر، وخرج وله أخ معتقل ووالد شهيد وثالث في الجيش الحر ورابع مريض.
مأساة تتكسر على نصال مأساة! المشهد المريع هو مشهد الطفولة التي تنطوي على تفاصيل يستحيل رصدها. طفل لا يسمع ولا يملك بطارية سماعة، وآخر لا يملك سماعة أصلا. مآس من هذه الشاكلة لا تنتهي، وتصبح هي القضية، مع أن القضية هي ذلك القابع في قصره لا يرتوي من الدماء، ويشاهد هذه الكوارث مستمتعا بإحراق بلده.
في المشاهدات السريعة يروي الفتى قصة شقيقه الذي التحق بالجيش الحر. فقد كان عسكريا في الهجانة على الحدود العراقية، ولم يكن يستطيع الانشقاق إلى أن نقل إلى الرقة على حاجز عسكري. وهناك هرب من الحاجز وعاد إلى درعا. كان من الممكن أن يقتل في أثناء انشقاقه، وكان من الممكن أن يقتله الجيش الحر، ففي سورية يحاصرك الموت من كل الجهات.
ستستمر مأساة اللجوء ما بقي بشار الأسد الذي بات يلخص نظاما وحشيا استمر منذ أكثر من أربعة عقود. وقد دفع الشعب السوري كلفة لا تطاق في سبيل حريته. ولو أن المجتمع الدولي تصرف بمسؤولية، لما بلغت المأساة هذا المدى. لكن، وبسبب العامل الإسرائيلي، يتواصل التآمر الدولي أو التواطؤ أو التردد؛ سمه ما شئت فالنتيجة واحدة! والمهم ألا يصل السلاح النوعي للثوار فيستخدم ضد إسرائيل!
في خطاب أوباما الأخير لغة جديدة، تشي بأن التردد الأميركي توقف، وأن "الفيتو" قد يرفع عن السلاح النوعي. ساعتها يمكن القول إن مأساة اللاجئ السوري ستنتهي. ويظل الفارق بين السوري والفلسطيني أن الأول سيعود في غضون أشهر إن استمر تآكل النظام بمعدله الحالي، لكنه لن يجد بيتا؛ فيما الفلسطيني لن يعود في غضون سنوات، لكن المحتل حافظ على بيته وعلى مزرعته.
القضية السورية لم يتكشف منها غير رأس جبل الجليد. وسيُذهل المؤرخون عندما يدرسونها، وسيجدون صعوبة بالغة في تفسير تواطؤ العالم مع نظام بهذه الوحشية والهشاشة؛ فهو ليس الاحتلال الإسرائيلي بكل تفوقه العسكري والعلمي والاقتصادي والسياسي. هو نظام يشغل 46 طائرة ميغ ومروحيات مهترئة ودبابات خارج الخدمة لقتل شعبه وتشريده، ثم ينشغل العالم بالإشادة بمحاسن البيوت الجاهزة قياسا على الخيام، ناسيا أن بين هؤلاء اللاجئين من كان يسكن قصورا لم يسكنها بان كي مون من قبل.

yaser.hilila@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عرب وعالم (علي احمد)

    الخميس 31 كانون الثاني / يناير 2013.
    تتظافر الجهودالعالميه والعربيه لمواصله مخططات صهيونيه لهدم الاسلام بكل قوه
  • »نعم انت لاجيء (Ahmad)

    الخميس 31 كانون الثاني / يناير 2013.
    كلمه معناها مختلف للسوري والعراقي والفلسطيني . لمن خرج ومعه المال ومن خرج لا يحمل منه شيء ، هي هي الكلمه ذاتها يصعب ان تبدل هذه الكلمه بمال الدنيا كلها فلا يرد ما فقد الا ما فقد .
  • »fdbxcb@dfgvx.com (ارادة الحياة)

    الخميس 31 كانون الثاني / يناير 2013.
    لاول مره اجد نفسي مضطرا للاتفاق مع المجرم نيرون سوريا نعم انها مؤامره على الشعب السوري الجميع متامرون الانظمه العربيه تريد ان تربي شعوبها بالشعب السوري و ان كل من يطلب الحريه سوف يرى من نظام بلده ما يلقاه السوريون من بشار و عند الحقيقه فكلهم بشار والحكومات الغربيه تريد تدمير ارادة الحياة عند السورين لكي لا يفكروا يوما بقتال العدو الاسرائيلي
  • »..حتى تكتمل صورة المأساة ! (ابو خالد)

    الخميس 31 كانون الثاني / يناير 2013.
    مأساة أخوتنا السوريين يجب ان ينظر لها من كل الزوايا وأن لا تقتصر رؤيتنا لها من زاوية العداء للنظام الديكتاتوري الذي كان وراء لجؤ السوريين,فأستغلال هولاء اللاجئين وخاصة اللاجئات منهن بتزويجهن وهن طفلات وأستغلال بؤسهن تحت ذريعة الستر عليهن لا يقل ببشاعته عن بشاعة ما يفعله النظام بشعبه.
  • »اللجوء.. مشاكله آثاره والدور الاعلامي (الطريفي)

    الخميس 31 كانون الثاني / يناير 2013.
    بداية نسأل الله أن يعجل بهزيمة الطاغية في الشام وأن يرحم اخواننا السوريين ويجبر كسرهم.

    أما بالنسبة للمقارنة بين حالتي اللجوء السوري والفلسطيني، فسأسترسل قليلاً في اثبات أوجاع وتأثيرات النكبة التي لن يفوق مأساتها أي لجوء.

    للجميع أن يتخيل نفسه مشرد وقابع في مخيم يتطور من الخيمة الى جدران وصفيح، ثم يستمر بك الحال 65 عام ومازلت تحلم بالعودة في ظل حياة قاسية تمنعك من السفر والعمل والتملك (حال بعض الدول)، هل تتخيلون هذه المأساة؟ هل تتخيلون رجل ثمانيني عاش أكثر من 6 عقود في نفس المخيم وفي نفس الظروف القاسية؟

    مشكلة اللجوء الفلسطيني أنه أصبح ظاهرة اعتيادية على أسماعنا، ومشكلته الأكبر أن الإعلام آنذاك لم يكن بهذه القوة التي نعيشها الآن، ولو كان كذلك لتمكن الإعلام من توثيق مآسي في مخيمات اللجوء الفلسطيني لم يشهدها التاريخ.

    في المنخفض القطبي الأخير دعونا لأشقائنا السوريين بأن يحفظهم الله من كل مكروه، ومع هذا لم نكن نتخيل ما سيجري لهم حتى وصلتنا الصور، التي أفجعتنا و أبكتنا، في المقابل ليس هناك أي مادة اعلامية تمكنت من توثيق حال اللاجئين الفلسطينيين خلال أكثر من 65 فصل شتاء؟

    اللجوء معاناة لمن يعيشه، وليس لنا أن نقلل من حجم مأساة يعيشها الآخر مهما كانت.

    نسأل الله أن يرحم المسلمين في كل مكان وينصرهم ويثبت أقدامهم، فهو خير الراحمين.
  • »ابن مخيم (ابن مخيم)

    الخميس 31 كانون الثاني / يناير 2013.
    مقاله تستحق التامل.............