منار الرشواني

بعد القضاء على القضاء المصري!

تم نشره في الاثنين 28 كانون الثاني / يناير 2013. 03:00 صباحاً

في الطريق إلى فرض القانون بالاقتصاص من مرتكبي مذبحة ستاد بورسعيد التي وقعت في شباط (فبراير) 2012، وراح ضحيتها أكثر من سبعين مواطناً بريئاً، قدم المصريون يوم السبت الماضي فقط، وفي مدينة بورسعيد وحدها، 32 ضحية بريئة أخرى، أو قرابة نصف عدد قتلى المذبحة الأولى، إضافة إلى 312 مصاباً!
ويستطيع أبناء بورسعيد الادعاء، عن قناعة أو ما دون ذلك، أن إحالة القضاء إلى الإفتاء أوراق 21 منهم متهمين بارتكاب مذبحة العام الماضي، تمهيداً لتنفيذ حكم الإعدام بحقهم، هو حكم/ قرار سياسي "لتهدئة أوضاع البلاد". تبرير ذلك أن الرئيس محمد مرسي شخصياً، فضلا عن الآلاف أو حتى الملايين من أنصاره كما أكدوا هم أنفسهم، إنما كانوا أول من طعن، وفي أكثر من مناسبة، بنزاهة القضاء المصري، معتبرين أنه خاضع لفلول نظام حسني مبارك الذي ما يزال يمسك بمفاصل الدولة رغم الإطاحة برأسه!
ولعل هذا التشكيك الرئاسي المتواصل بالقضاء هو ما سمح، بدرجة كبيرة أيضاً، بتهديد رابطة مشجعي النادي الأهلي "التراس" بأعمال العنف والفوضى في حال عدم إعدام المتهمين بقتل زملائهم في الرابطة خلال مباراة فريقي الأهلي والمصري (البورسعيدي).
والآن، وبعد القضاء على سمعة القضاء والثقة فيه، دخلت مصر ما يبدو أنه أقرب إلى الحلقة المفرغة؛ فلا الأحكام بحق المتهمين تبدو ممكنة التنفيذ خوفاً من مزيد من الانفجار، ولا هي غير قابلة للتنفيذ خوفاً من تواصل الفوضى والعنف باختلاف المبادرين إليهما، وهم في هذه الحالة مشجعو النادي الأهلي!
مع ذلك، لا يجب ولا يجوز أن يتحمّل الرئيس مرسي وجماعته وأحزابه (إخوان وسلفيون) ومناصروه، المسؤولية وحدهم عما تؤول إليه مصر بعد الثورة. فاغتيال الدولة بأركانها، والقضاء هو أحدها، تُنافس مرسي والإخوان عليه معارضة اليوم، من ليبراليين ويساريين وقوميين. إذ لا يكاد يظهر في برنامج عمل هذه المعارضة إلا بند واحد وحيد: "إفشال حكم الإسلاميين فقط". ولأجل ذلك، فهي لا تمانع في اغتيال هيبة الرئاسة "الإسلامية"، وشل البلد اقتصادياً، وإثارة الذعر من الإسلاميين الدكتاتوريين؛ وكأن جمال عبدالناصر كان الديمقراطي الذي لم ولن تنجب الأرض مثله يوماً! أو كأن العهد الملكي كان رمز العدالة الاجتماعية وإنصاف الفلاحين والنهضة التعليمية!
ما يحدث في مصر اليوم يذكر بحكم القاضي سعد عبدالواحد، فيما عُرف بقضية قطار الموت، في أيلول (سبتمبر) 2002، والتي راح ضحيتها 361 مواطنا. إذ قضى عبدالواحد بتبرئة جميع المتهمين من صغار الموظفين في السكك الحديدية، معتبراً أن "الجناة الحقيقيين ما زالوا طلقاء"؛ مشيراً صراحة إلى المستويات العليا في الإدارة وحتى نظام الحكم، حين طالب في قراره "القيادة السياسية أن تجيد اختيار القيادات والمسؤولين في المواقع (...) لأن القضاء كلّ وملّ من تقديم صغار المسؤولين للمحاكمات في مثل هذه القضايا".
وكما كان جناة الأمس معروفين لكن لا يقدمون للمحاكمة، فكذلك هم جناة اليوم؛ يتوزعون بين حكم ومعارضة، يقتتلان على حساب مصر، ووقود حروبهما كل المصريين الذين يتقاسمون دور القاتل والقتيل نيابة عن المجرمين الحقيقيين.

manar.rachwani@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الشمس و الغربال (وحيد أبو ليلى)

    الاثنين 28 كانون الثاني / يناير 2013.
    أثبت الكاتب المحترم أن المرء ليس بحاجة إلى أن يكون بشارب خفيف و لحية عظيمة ليقول كلمة الحق في جماعة تم التغرير بها و اقتيادها عمدا الى مستنقع السياسة التي لا تفقه فيه شيئا، بهدف وحيد و هو تدمير رصيدها الشعبي أو ما تبقى منه، و العودة من جديد إلى عصور الظلام. لا نحتاج إلى مناظير و تلسكوبات لنرى الشمس من خلال الغربال!!