رنا الصبّاغ

أفكار استباقية للتعامل مع اليوم التالي للانتخابات!

تم نشره في الأربعاء 16 كانون الثاني / يناير 2013. 02:00 صباحاً - آخر تعديل في الأربعاء 16 كانون الثاني / يناير 2013. 01:04 مـساءً

في أحد أكثر تصريحاته وضوحا منذ اعتلائه العرش العام 1999، يقدّم الملك عبدالله الثاني رؤيته لما يجب أن يكون عليه الأردن بعد خمس أو عشر سنوات، ضمن برنامج إصلاح تدريجي شاق وطويل، يفضي إلى ترجمة مفهوم الملكية الدستورية قلبا وروحا، ويضمن استمرار نظام الحكم وتوريثه.
في طيّاته، يحمل كلام الملك إلى مجلة "لونوفيل أوبزرفاتور" الفرنسية عديد أفكار لعصرنة الأردن. وقد تساعد المقابلة في إضفاء نكهة سياسية على أجواء الحملات الانتخابية الباهتة، وتشحذ همم المترددين في المشاركة في الاقتراع لاختيار مجلس النواب المقبل يوم 23 كانون الثاني (يناير) الحالي.
فأجواء الانتخابات تخلو من مناظرات ساخنة بين مرشحين حزبيين أو مستقلين يتنافسون على غالبية المقاعد الفردية، أو بين من انضموا إلى 61 قائمة تتنافس على 27 مقعدا على مستوى الوطن. وتبرز شعارات رنّانة فارغة، وصور سينمائية مكرورة، وسط تناسل الحديث عن استشراء المال الأسود لشراء الذمم، مع ضبط بضع حالات بالجرم المشهود.
يصوّر الملك أردن المستقبل بلدا تعدديا ديمقراطيا منفتحا، يحترم حقوق المرأة والطفل والأقليات، ويرسّخ الرقابة على الديمقراطية، مدعومة بفك التداخل بين السلطات، بما يعيد الثقة بين أذرع الدولة الرسمية وبين المجتمع ويوقف تخلخل هيبتها.
وعود جريئة وعلنية؛ أهداف تحاكي مطالب رفعها، خلال الأشهر الماضية، ساسة وحزبيون ونشطاء مجتمع مدني وبعض "أبناء النظام" وحتّى الإسلاميون المقاطعون للانتخابات. وهي المطالب التي أدّت وقتها إلى شيطنة كل من رفعوها، ونعتهم بصفات تعدّت "الخيانة والمراهقة السياسية"، كما اتُهموا بتهديد الدولة ونظامها السياسي.
في الأثناء، أطلقت "إصلاحات" تجميلية بالقطعة. لكن الملك قال في مقابلته الأخيرة إن التعديلات الدستورية ما هي إلا "جرعة أولى" من إصلاحات منشودة لدعم التغييرات المطلوبة. وبذلك يتقدم كلام الملك على جميع المطالب التي سمعها الشعب.
لكن، هل تكفي هذه الرؤية المتقدمة لتشجيع المرشحين على رفع سوية خطابهم، والتفكير في طرق خلّاقة لرسم معالم تجمعات ذات ثقل في البرلمان الجديد، من شأنها التأثير على تجربة الانتقال صوب حكومات برلمانية، وتحضير الأرضية لبناء نظام ديمقراطي؟ وهل تكفي هذه الرؤية لتهيئة المزاج العام للتعامل مع تداعيات اليوم التالي للانتخابات، وسط توقعات بأن يحرض بعض الخاسرين على أعمال شغب، وسط تشكيك بنزاهة الانتخابات وقلق من ضعف المسؤولين في إدارة سقف التوقعات؟ وهل ستساعد تلك الرؤية على تحصين البيئة الوطنية المنقسمة، لمواجهة مخاطر التحولات الهائلة في الإقليم، بما فيها الملفان السوري والعراقي، واحتمالية ضرب إيران وتكفين مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة، أو التعامل مع استحقاق رفع تعرفة الكهرباء؟
قد تفتح مقابلة الملك العيون على فرص سياسية جديدة بعد الانتخابات، لكنها لن توقف مسلسل الشك في صدقية خطاب الإصلاح الرسمي لسنوات بدون أن تترجم الوعود. إلا أنه يبدو أن مسار الأحداث قد تغيّر بعد الاحتجاجات الأخيرة التي عمّت البلاد والشعارات التي خرقت السقوف عقب رفع أسعار المحروقات.
الأردن يقف اليوم على مفترق طرق. القصر يقود التغيير، ويقطع خطوة استباقية باتجاه القادم المجهول والتعامل مع جبل التحديات. وقد تكون الفرصة مؤاتية اليوم لتطبيق برنامج تغيير طوعي على مراحل، بدلا من الاضطرار إلى تقديم مزيد من التنازلات التي قد تأتي متأخرة وبلا فائدة.
لو نجح رهان الرسميين على مشاركة ما بين 45 % و 50 % من الناخبين المسجلين في الاقتراع، بضمانة نظام فعّال وصارم طوّرته أول هيئة مستقلة للإشراف على الانتخابات، فإن العام 2013 قد يشكل بوابة الدخول إلى إصلاح جدي، وبدء تطبيق تجربة الحكومات البرلمانية الموعودة.
رهان الرسميين هذا يستند إلى عوامل موضوعية ستحفز المتردّدين على المشاركة لحماية الوطن والنظام. إذ هناك قناعة رسمية بأن الشارع سيتحرك في حال اشتم رائحة تزوير كالذي حصل في انتخابات 2007 و2010. وهناك عيون مئات المراقبين العرب والأجانب، وجيش من الصحفيين، سيغطون الانتخابات ولن يتستروا على أي شبهة.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن الملك تجاوب إلى حد كبير مع مطالب الإصلاح؛ بدءا بتعديل ثلث مواد الدستور وإنشاء محكمة دستورية وفتح بعض ملفات الفساد، وأخيرا الانفتاح على قوى اليسار وبعض الحراكيين لخلق توازن وحشر القوى المقاطعة احتجاجا على قانون الانتخاب.
تساند هذا الطرح قوى نخبوية سياسية واقتصادية، وغالبية مجتمعية ما انفكت تتردد في الانضمام إلى الأحزاب، وتخشى عواقب الإصلاح المنفلت على حساب الأمن والاستقرار بعد أن صُدمت بسماعها شعارات مست النظام.
فالتغيير السياسي المنشود، برأيهم، يحتاج إلى وقت في مجتمع أبوي محافظ. وهو يتطلب طبقة وسطى قوية في مجتمع ديناميكي منفتح على نفسه وعلى الآخر، وأحزاب سياسية توفر طريقا بديلة عن ثنائية حزب الدولة وحزب الإخوان؛ أحزاب لها برامج عملية تتنافس على أساسها في الانتخابات، على أن تتشكل الحكومة من الأغلبية، بينما تقوم المعارضة بدور رقابي، وتتنافس مع الحكومة في طرح برامج وحلول بديلة.
برأيهم، سيفضي الإصلاح السياسي غير المبرمج إلى فوز الإسلاميين، وبدء عملية تحول إلى "دينوقراطية"؛ كما يحصل في تونس ومصر، أو الانزلاق إلى فوضى.
أولية هذه الفئة تكمن في الأمن والاستقرار، والمأكل والمشرب، وفرص التعليم والرعاية الصحية.
في المقابل، هناك من يتخوف من سيناريو مغاير، مفاده أن الانتخابات لن تكون نقطة مضيئة نحو تحضير أرضية النظام الديمقراطي المنشود، ولن تمأسس لتعددية سياسية حقيقية بسبب أجواء المقاطعة والتشكيك. فقانون الانتخاب صُمّم لضمان استبعاد المعارضة الإسلامية، وللإبقاء على برلمان ضعيف غير قادر على ممارسة دوره الرقابي والتشريعي. كما أن فرص فوز القوائم الأكثر تسييسا بأكثر من مقعدين تبقى بعيدة المنال. وبذلك، يواصل المسؤولون في "ملهاة خديعة الإصلاح"، لشراء الوقت وإقناع المانحين بأن الأردن يطوّر إصلاحا سياسيا نابعا من الداخل.
قناعة هؤلاء أن الانتخابات ستعيد إنتاج الوضع السابق أو مجلس نيابي أسوأ، وستكشف حجم مقايضات شراء المواقف السياسية مقابل انتزاع مكاسب شخصية وخدمية ضيقة؛ انتخابات تنتج غالبية محافظة غير مسيسة ستفشل برنامج الإصلاحات.
وبغض النظر عن موقف مؤيدي ومعارضي الانتخابات، فإن التحدي الأكبر أمام النظام يتعدى قضية تنظيم انتخابات نزيهة، ورفع نسب المشاركة؛ فهذه جزيئية في مسار شائك لتغيير عملية رسم السياسات بما يعكس رغبات الناخبين، ويضمن بلورة نظام سياسي جديد سيحاسَب فيه المسؤولون على أفعالهم وأقوالهم. والأهم، محاولة خلق حوار سياسي -يتجاوز الشعارات الرنانة- بين المرشحين وقواعدهم من جهة، وامتصاص نقمة المرشحين الخاسرين واستباق المطالب السياسية القادمة من جهة أخرى. وقد يتطلب ذلك عدة مبادرات ملكية قبل الانتخابات، لكي يرى الأردنيون المستقبل بوضوح أكبر.
لنتخيل سيناريو يشرح فيه الملك آلية التعامل مع تشكيل الحكومة المقبلة، بخاصة أنه يعرف مسبقا استحالة فوز حزب واحد أو كتلة بأغلبية أصوات تمكنها من تشكيل الحكومة.
فقد يعلن الملك بوضوح أن التكتلات أو الأحزاب والأفراد التي تفلح في تشكيل تجمع يضم 50 % من مقاعد مجلس النواب ستشكل الحكومة.
وقد يقول إن قانون الانتخاب الذي سيعدل قريبا، سيخصص 30 % من مقاعده لمرشحي قوائم نسبية على مستوى المحافظة، وأن طريقة توزيع المقاعد بين الرجال والنساء ستضمن عدالة النوع الاجتماعي (الجندر) لدى تصميمها؛ وسيكون للنساء حصص أكبر في مقاعد مجلس الأمة، والمجالس المحلية المنتخبة، وفي مناصب سياسية عليا؛ وستمنح المرأة مساواة كاملة في مناحي الحياة، بما فيها الحقوق القانونية وفرص العمل.
وقد يتحدث الملك عن ملف ضاغط آخر مرتبط بدعم التغيير السياسي، وعنوانه هيكلة أدوات الحكم المحلي، عبر تفعيل دور المجالس البلدية المنتخبة وتقوية مؤسسيّتها، بحيث تكون قادرة على وضع الميزانيات التي تحتاجها، وإدارة الأملاك ضمن حدودها، وطرح العطاءات وإصدار القرارات التنظيمية بعيدا عن سطوة المحافظ الذي يمثّل مركزية الدولة.
وقد يأمر الملك بتحويل المزيد من قضايا تحمل شبهات فساد إلى القضاء، ويطالب بتوحيد الجهات التي تطارد هذه الآفة تحت مظلة هيئة مكافحة الفساد. وقد يطالب بأن تعكس ميزانيات المؤسسات الأمنية وطريقة إعدادها في المستقبل شفافية أكبر.
وهذه تتطلب تعزيز حوار بين الحكومة والإسلاميين، ووقف التدخل في الإعلام، والتعاطي بأسلوب مبتكر مع قضية المواطنة والديمغرافيا، وطمأنة التيار البيروقراطي المتجذر إلى ضرورة المشاركة في رحلة التغيير لمصلحة الوطن والمواطن.
فهل نرى بدايات أردن جديد قريبا؟

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »من الميدان (م.عمر)

    الأربعاء 16 كانون الثاني / يناير 2013.
    إحدى المحافظات في المملكة :
    منجم للذهب,
    ومنجم للفوسفات,
    ومنجم للاسمنت,
    ومنجم للنحاس,
    وارض للزيتون والتين .

    وتعيش متأخرة عن باقي مناطق المملكة بـ 50 سنة,

    بالأمس فقط وبعد ستة أيام تم فتح طرقها التي أغلقها الثلج !!!!!!
    ألا ترين معي انه من باب الأمانة النظر بالعينين وليس بواحدة لان القضية ليست ديموغرافيا فقط.