د.باسم الطويسي

الربيع العربي: من المساندة إلى المساءلة

تم نشره في الاثنين 7 كانون الثاني / يناير 2013. 03:00 صباحاً

بعد مرور عامين على اندلاع ثورات الربيع العربي، أجبرت التحولات العميقة التي شهدتها المنطقة العربية المجتمع الدولي على إجراء مراجعات استراتيجية عميقة أيضا حول المنطقة ومستقبلها، فيما ما تزال مراجعة العرب لهذه التحولات في أدنى حدودها.
تنتقل القواعد الشعبية العربية، مع بدء العام الثالث لهذه التحولات، من مرحلة الإعجاب والمساندة، إلى مرحلة المساءلة والمطالبة بكشف حساب حول الإنجازات والعثرات. فيما تزداد نبرة التشكيك، وأحياناً التخوين في الخطابات المتصارعة في حلبة هذه التحولات.
علينا الاعتراف أن الأحوال اليوم في ثلثي العالم العربي أفضل بالمنظور البعيد مما كانت عليه قبل عامين، وأن أحفاد هذا الجيل لن يلعنوا أجدادهم وآباءهم. فبكل المقاييس، يعد وجود المنصف المرزوقي، على سبيل المثال، وهو المثقف الوطني الذي يعرف ظلمة السجن جيداً، على رأس السلطة في تونس، هو أفضل بمائة مرة من الدكتاتور السابق. في المقابل، لا حتمية في مسار الثورات والتحولات الكبرى؛ فالثمن الذي دفعته الشعوب ما يزال أكثر بكثير من الحصاد الذي حققته الثورات.
دخلت مجتمعات الربيع العربي عامها الثالث مع بدء معظم الدول التي شهدت تحولات ثورية الدخول في عمليات التحول الديمقراطي في المرحلة الانتقالية، وهي العمليات التي لم تكن لا ربيعاً ولا خريفاً، بل اتسمت بالرمادية والغموض، والمصائر غير المحسومة مع استمرار العنف على الجبهة السورية التي تقدم النسخة الأسوأ في هذه المرحلة.
وتتشكل ملامح المساءلة الشعبية للمرحلة الثانية من الربيع العربي كما يبدو على خمسة محاور أساسية، مع ازدياد حدة التناقضات، وتراجع فرص الاستقرار في أكثر من مجتمع. وهذه المحاور هي:
أولاً: الصراع داخل الديمقراطية. وهو أمر مقبول في المرحلة الانتقالية، لكن المساءلة ستدور حول حدة هذا الصراع ومصيره، وماذا سيترك في العمق الاجتماعي والثقافي قبل السياسي، ثم عن احتمالات أن ينتقل إلى صراع آخر ينقلب على الديمقراطية مع استمرار غياب الاستقرار.
ثانياً: الأزمة الاقتصادية العميقة. إذ يواجه معظم مجتمعات دول الربيع العربي مع بدء هذا العام، موجة عاصفة جديدة من الأزمة الاقتصادية التي تعمقت بفعل الاحتجاجات وتعطيل الإنتاج والإضرار بسمعة الأسواق، فيما عجزت الأنظمة الجديدة عن استعادة الثقة سريعاً، والسير في إجراءات جادة لترميم اقتصاداتها. والمهم في هذا المحور أن التوقعات تذهب إلى سلسلة من الأزمات الاقتصادية التي ستضع كلا من مصر واليمن وتونس، على أقل تقدير، أمام مواقف معقدة، وتحديداً حينما تنال هذه الأزمات القواعد الاجتماعية العريضة.
ثالثاً: التعثر في مسار بناء الدولة. فلم تفلح النظم الجديدة في الانخراط في عملية سياسية تاريخية لاستكمال بناء الدولة الديمقراطية من خلال بناء المؤسسات وتدشين المواطنة، بل استهلكت جل وقتها في الصراع السياسي الداخلي مع استمرار الفراغ المؤسسي والتنظيمي، فما تزال التحولات الديمقراطية معلقة في الهواء.
رابعاً: التدخل الخارجي. إذ يفتح الفشل الاقتصادي والسياسي المجال أمام مزيد من التدخل الخارجي الدولي والإقليمي في مصائر مجتمعات الربيع العربي. ويزداد تعقيد الموقف على الجبهة السورية مع ازدياد احتمالات التدخل الخارجي، وحجم ما سيتركه من خسائر وفوضى. وسيدور جانب كبير من المساءلة الشعبية حول هذا المحور بعدما يتعرض للمزيد من الانكشاف.
خامساً: الموقف الاجتماعي والثقافي. فما يزال الخوف من ردة اجتماعية وثقافية، بفعل تأثير قوى سياسية دينية صاعدة، يزداد تفاعلاً، وينتقل من النخب إلى القواعد الاجتماعية. ويُحتمل أن تزداد قوة المساءلة الشعبية على هذا المحور مع ازدياد حدة الاستقطاب، وانتقاله من الشأن السياسي إلى الثقافة والمجتمع، مع عدم وجود إجابات واضحة حول مواقف هذه القوى الدينية من بعض مسائل الحريات الشخصية، ودور المرأة، والموقف من الثقافة والفنون والحياة الخاصة وغيرها.
العام الجديد سينقل حتماً الربيع العربي من المساندة إلى المساءلة، وربما المحاكمة الشعبية.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق