فلسطينيو 48 والانتخابات الإسرائيلية

تم نشره في السبت 5 كانون الثاني / يناير 2013. 03:00 صباحاً

تتجه الأنظار في شارع فلسطينيي 48، في الأيام المتبقية للانتخابات البرلمانية الإسرائيلية في 22 الشهر الحالي، إلى نسبة المشاركة في هذه الانتخابات. فهذه النسبة، كما هي أيضا في الشارع اليهودي، تشهد تراجعا مستمرا، لكنها تبقى أعلى لدى اليهود. وحسب استطلاعات الرأي، فإن الغالبية الساحقة جدا من الذين لا يشاركون في الانتخابات دافعهم اللامبالاة، إضافة إلى نسبة محدودة من المقاطعين لأسباب سياسية وفكرية.
يشكل فلسطينيو 48 حاليا 14.5 % من ذوي حق الاقتراع، أو 815 ألف شخص من أصل 5.6 مليون مقترع. وفي آخر جولتي انتخابات برلمانية في العامين 2006 و2009، بلغت نسبة المشاركة العامة
65 % و63.5 % على التوالي، فيما بلغت بين فلسطينيي 48 حوالي 57 % و53.5 %. مع الإشارة إلى أن يوم انتخابات 2009، كان ماطرا وعاصفا، وساهم في تخفيض نسبة المشاركة.
وحسب استطلاعات داخلية أجرتها القوى المركزية التي تخوض الانتخابات في شارع فلسطينيي 48، تبلغ نسبة من قرروا المشاركة في الانتخابات المقبلة ما بين 57 % و60 %. أما عن أسباب الإحجام عن التصويت، فإن دافع النسبة الأكبر هو اللامبالاة، فيما أعلن ما بين 6 % و9 % فقط أنهم يرفضون المشاركة من منطلقات فكرية وسياسية.
ومن يدعون إلى مقاطعة الانتخابات على أسس فكرية وسياسية هم بالأساس حركة أبناء البلد، ذات التوجهات القومية. وهي حركة أصيلة وقديمة على الساحة، إلا أن امتدادها محدود جدا، وشهدت على مر السنين عدة انشقاقات. أما الحركة الإسلامية التي شهدت في العام 1996 انشقاقا على خلفية الموقف من الانتخابات البرلمانية، فإن جناحها الشمالي اكتفى بإصدار بيان يوضح فيه موقفه الرافض للانتخابات، بينما قرر الجناح الجنوبي خوضها.
الدافع المعلن للقوى التي تعلن معارضتها للانتخابات وتدعو إلى المقاطعة، هو "أن الكنيست صهيوني، ونرفض أن نكون فيه ونعطيه شرعية"، كما "لا يمكننا أن نؤثر فيه". ولكن من جهة أخرى فإن هذه القوى تخوض الانتخابات للمجالس البلدية والقروية، والتي تديرها وزارة الداخلية الإسرائيلية بموجب قوانين يقرها الكنيست. ومن بينهم من تولى مناصب رؤساء بلديات، وتلقى رواتب من الوزارة، وما يزال يتلقى راتبا تقاعديا حتى اليوم.
إن القوى التي تمثل فلسطينيي 48 لن تكون بدخولها إلى الكنيست جزءا من الجهاز، بل هي المعارضة الفورية لكل حكومة يتم تشكيلها. وطالما أن فلسطينيي 48 أخذوا على أنفسهم الانخراط في الحياة العامة في إطار معركة البقاء، وطبعا بما يحفظ هويتهم وانتماءهم، فإنهم اختاروا أيضا البرلمان كإحدى حلبات مواجهة السلطة الحاكمة في عقر دارها، مع التأكيد دائما، على أن النضال الأساسي هو الميدان، وهذا قائم.
فلسطينيو 48 كسائر شعوب العالم، ليسوا كلهم مسيّسين وضالعين بالسياسة، وهناك حاجة إلى الظهور أمام هذه الجماهير بعناوين سياسية تمثل مصالحها الحقيقية اليومية والقومية في مواجهة المؤسسة الحاكمة. وإخلاء الحلبة البرلمانية يفسح المجال أمام جهات صهيونية، وأخرى مرتبطة معها، لفرض نفسها وادعاء تمثيل فلسطينيي 48، فتكون الطريق قصيرة جدا إلى الهاوية الوطنية.
من الخطأ الادعاء بأن المؤسسة الحاكمة تستفيد من وجودنا في الكنيست كغطاء لديمقراطيتها المزعومة، وما يؤكد هذا الاستنتاج هو كثرة مشاريع القوانين التي يطرحها نواب اليمين في سعي لتقليص تمثيل فلسطينيي 48 في الكنيست؛ لأنه –وكما هو مثبت- كلما ازداد تمثيلهم البرلماني، تقلص مجال تشكيل الائتلافات الحاكمة، ما يجعل أزمة عدم استقرار الحكم في إسرائيل أكبر. وليس صدفة أنه من حين إلى آخر ترتفع نسبة اليهود المطالبين بمنع فلسطينيي 48 من المشاركة في الانتخابات، وفق ما يظهر في استطلاعات الرأي، وآخرها تحدث عن نسبة 37 %.
إن معركة البقاء في الوطن، والإصرار على ممارسة الحياة الطبيعية والحفاظ على الهوية والانتماء، هي معركة متشعبة، بدأت منذ الأيام الأولى للنكبة وتستمر حتى اليوم. وهذه المعركة تتطور بموجب معطيات العصر وارتفاع مستوى التحدي؛ والقوى التي مثلت فلسطينيي 48 تاريخيا في الكنيست هي طليعة النضال الميداني في كل المعارك الوطنية.

barhoum.jaraisi@alghad.jo

التعليق