منار الرشواني

ربيع العرب في قبضة السلفيين

تم نشره في السبت 5 كانون الثاني / يناير 2013. 03:00 صباحاً

بعد مضي عامين، لا يكاد يبقى شيء من التفاؤل الذي ساد وطغى غداة أول انتصارات الربيع العربي في تونس ومصر. فحتى بدون دماء، ومع انتخابات حرة ونزيهة في هذين البلدين تحديداً، لا يظهر ثمة أفق للاستقرار، ناهيك عن الإنجاز بتحقيق مطالب المواطنين-الثوار المتمثلة في التنمية والحرية والعدالة والكرامة الإنسانية. وعلى عكس المأمول والمطلوب بالتطلع إلى المستقبل، يبدو الماضي حاضراً بعد "الربيع"؛ لا ممارسات فقط، بل وحتى رؤى واستراتيجيات!
على السطح، يبرز الإسلاميون الذين تسيدوا السلطة في غير بلد عربي، قاسماً مشتركاً بين تجارب الخيبة التي قد تستحيل فشلاً في المستقبل القريب، وباعتبار ذلك نتيجة منطقية لكون هؤلاء الإسلاميين، بتوصيف خصومهم وأعدائهم، "ماضويين" لا يمتون إلى الحاضر قبل المستقبل بأي صلة. لكن الحقيقة التي تعمق الخوف والتشاؤم، هي أن بديل السلفيين الإسلاميين (المعلنين والمستترين بعباءة الإخوان)، من التيارات السياسية الأخرى كافة، هم سلفيون متعصبون بدورهم، ليس دينياً وإنما فكرياً وثقافياً. أليس صحيحاً أن هؤلاء الخصوم والأعداء إذ يقدمون أنفسهم بديلاً عن الإسلاميين عموماً، فإنهم لا يطرحون من برنامج اقتصادي-اجتماعي إلا العودة إلى الماضي، أو بعبارة أخرى إلى "نهج السلف القومي اليساري"، بالحديث عن اشتراكية الخمسينيات والستينيات، والدولة الراعية الريعية، والتأميم، والاكتفاء القُطري الذاتي.. إلخ، في شعاراتية محضة لا يترجمها أي برنامج عملي حقيقي يأخذ بعين الاعتبار متغيرات قرابة نصف قرن، على الساحة المحلية والإقليمية والدولية.
ووفق منطق/ فقه المناكفة العدمي الذي لا تتبنى سواه أغلبية سياسيي ما بعد الربيع العربي، يمكن القول إن السلفية الدينية هي أكثر منطقية واحتراماً للإنسان من السلفية القومية اليسارية. فالسلفيون الإسلاميون إذ يتلاعبون، في أسوأ الظروف، بالعواطف، فلأنهم يحيلون فعلاً إلى فترة عرفت فيها الأمة أسمى درجات العظمة في بعض مراحلها. لكن السلفيين العلمانيين، في المقابل، ينطلقون من اعتقاد راسخ لديهم بجهل الشعوب العربية وغياب وعيها، وذلك بإحالة هذه الشعوب إلى فترة قريبة جداً ما تزال في الذاكرة، لم تعرف فيها الأمة كرامة كما يُدعى (اللهم إلا بالخطابات الرنانة)، ولم تكن الدولة خلالها راعية بل راشية، وبما أسس بالنتيجة لكل استبداد عاناه الإنسان العربي طوال عقود مضت، على المستويين السياسي والاقتصادي.
لكن مثل هذا المنطق/ الفقه الذي يفاضل بين التلاعب بالقلوب والعواطف وبين اغتيال العقل والوعي، لا يختلف أبداً بالنتيجة عن مفاضلة ما قبل الربيع العربي بين الظلم والاستبداد والجوع والعوز وبين بديل كل ذلك ممثلاً بالفتنة والحروب الأهلية. وبافتراض أقصى درجات حسن النية، فإن المفاضلات السابقة، ما قبل الربيع وما بعده، ليست إلا مفاضلات عاجز، لا يرى إمكانية لتحقيق ما تتطلع إليه الشعوب من حرية وكرامة وعدالة وتنمية.
وهذا هو فعلاً حال كثير من سياسيينا العرب الذين تكلست عقولهم عند زمن طويل مضى، فما عادوا اليوم أكثر من عقبة في الطريق إلى المستقبل الذي لا يحتمل الاختيار بين سيئ وأسوأ. ومنطقي بسبب عقلياتهم الإقصائية أو حتى الأبوية التي تحتكر ما تظنه صواباً، أنهم لن يتنحوا طواعية، بل بتقديم البديل الحقيقي من جيل جديد يخاطب عقول الناس وقلوبهم بلا انحياز أعمى لأي أيديولوجيا.. وهذا هو خيار الشعوب العربية الأوحد.

manar.rachwani@alghad.jo

التعليق