ياسر أبو هلالة

جماليات المعارضة ومنبر من حلب

تم نشره في الخميس 3 كانون الثاني / يناير 2013. 03:00 صباحاً

عندما حرر صلاح الدين الأيوبي القدس، لم يقم بعمل قتالي في المقام الأول، إذ سبقت ذلك جهود فكرية وسياسية أهلت الأمة لهذه المواجهة، وكان بناء تحفة معمارية مثل منبر صلاح الدين في حلب دليلا على اشتراك فناني الأمة وصناعها وتجارها في المعركة. وقد استغرقت إعادة بناء المنبر في الأردن أكثر من خمس سنوات في كلية الفنون الإسلامية في جامعة البلقاء التطبيقية.
هذه مقدمة ضرورية للحديث عن جماليات المعارضة التي تعاني قبحا غير مفهوم.
لنأخذ مثالين: مبنى مجمع النقابات المهنية، ومبنى حزب جبهة العمل الإسلامي. فهما الآن مجرد مبنيين وظيفيين يشبهان معسكرات الجيش السوري في لبنان؛ حيث كان يستولي على مبان رائعة فيحيلها إلى كتلة من القبح.
أذكر في الثمانينيات، وكنت طالبا أذهب مع خالي فتحي حياصات الذي كان عضو مجلس نقابة مهندسين عن القائمة الخضراء إلى مجمع النقابات المهنية. وكنت مبهورا بجمال وأناقة المبنى في أيامها، وكان فيه بار ومسبح لعلية القوم، وكان هذا ما يغيظني وقتها، إضافة إلى يسارية خالي وصحبه.
بعد الصعود الإسلامي، ماذا أضاف الإسلاميون إلى مجمع النقابات؟ شطبوا البار، وتراجع المسبح إلى مسبح مدرسي يفتقر إلى أدنى شروط الرفاه. كما أقيم مسجد هو عبارة عن بناء جاهز قبيح يصلح لنقله إلى مخيم الزعتري. المجمع يمكن أن يدرس نموذجا للبناء الفاشل وظيفيا، والقبيح جماليا. عندما بني كان الأجمل في وقته، لكن التوسع الوظيفي في عدد المنتسبين وعدد النقابات رافقه تشوه في المبنى.
من المفروض أن تقدم المعارضة جماليات تليق بخطابها. لا نريد منها أن تدخل في لوثة الأبراج، فتلك مصيبة كبرى في التخطيط العمراني، لكن عليها أن تقدم -وهي التي عندها نقابتا المهندسين والمهندسين الزراعيين- تحفة معمارية وزراعية، مباني بجهود تطوعية تمثل نموذجا في الاستخدام الوظيفي العملي، وفي توفير الطاقة، وفي الجو الأسري المحافظ (حسنا المحافظ؛ طالما أن الأكثرية محافظة وشطبت البار، فقدموا لها بديلا). وكذلك في التدوير، والطاقة الشمسية، والأبنية الخضراء، والزراعة الموفرة للمياه، واللوحات والتصاميم.
على نبل قضية الأسرى، وقداسة قضية فلسطين، أجد على باب مجمع النقابات صورا للتعبير الساذج الفج، من خلال "بوسترات" يصنعها طلبة مدارس لا مبدعون! وفي المجمع لا تجد مكانا لائقا لاستضافة صديق على فنجان قهوة في منطقة تغص بالمقاهي، ولا تجد مكانا يمرح فيه طفل جاء والده لحضور ندوة علمية، أو التضامن مع الثورة السورية.
أما حزب جبهة العمل الإسلامي، فما أزال أذكر المبنى الجميل الذي اختاره الدكتور إسحق الفرحان، وفيه نخلتان من عمر الطبقة الوسطى في عمان الغربية. وقد أضيفت له قاعة، ولا أدري أي معماري عبقري وضع نوافذ الحمامات مطلة بمراوح شفطها على الشارع العام! أي قبح هذا؟ هل عجزت الحركة الإسلامية عن تصميم مبنى يليق بها، أم أن الشكل ليس مهما؟
في معركة تحرير القدس، ظل الشكل مهما، فهو على قول ميشال فوكو "يحقق المضمون". وفي الدين "خذوا زينتكم عند كل مسجد"، ولم يقل القرآن الكريم قبحوا أنفسكم.
يفترض بالمعارضة أن تأخذ زينتها، وأن تقدم نفسها بجمالية تعكس جمال القيم التي تنادي بها؛ من نظافة ونزاهة واستقامة وعدل وحرية. وبالمناسبة، هذا ينطبق على الحكومة، لكنها تبالغ في أخذ زينتها إلى درجة البذخ، ومباني الحكومة وسياراتها تجعلك تخال أنك في بلد خليجي أو اسكندنافي.

yaser.hilila@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نقد موضوعي/جمالية المكان تحفيز حضاري للانسان (م. فياض حوارات/مهندس زراعي)

    الجمعة 4 كانون الثاني / يناير 2013.
    اؤكد على ماذكرت خاصة وان النقابات المهنية هي عصب مؤسسات المجتمع المدني في وطننا الحبيب والممثل الابرز للطبقة الوسطى عنوان التوازن والاستقرار في المجتمع//كما يشكل مبنى جبهة العمل الاسلامي علامةبارزة وهامة وفاعلة في الحياة السياسية الاردنية ((رغم اختلافي معهم ببعض الامور ومنها مقاطعة الانتخابات))للجمال والنظافة وحسن التصميم أثر بالغ في اثراء العمل الابداعي//مقال رائع وهام جدا//وأبادر بالتبرع ب3ايام بنفسي في عمل حديقة جديدة للمجمع
  • »بين نقد موضوعي وطخ السحيج (خالد)

    الخميس 3 كانون الثاني / يناير 2013.
    انت قاسي يا ياسر. أتفق مع مضمون ماتقول لأته على بال الكثير منا لكن هذا لايبرر قسوتك واسلوبك المنفر. انصحك بالتوازن في نقدك. خلط الإيجابي بالسلبي هو أقل متطلبات الذوق في النقد بالذات عندما يكون النقد موجه لأطراف مستضعفة تتعرض ليل نهار لقصف وطخ سحيجة النظام.
  • »الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة مؤشر مهم. (ابو خالد)

    الخميس 3 كانون الثاني / يناير 2013.
    اؤيدك 100% ,فعدم الاهتمام بالتفاصيل,التي قد تبدو صغيرة وبسيطة,يعطيك القناعة الكاملة,أن من يهملها ,لن يكون كفؤا وندا للتنطح لما هو اكبر وأهم .