محمد أبو رمان

التفكير خارج الصندوق!

تم نشره في الجمعة 28 كانون الأول / ديسمبر 2012. 03:00 صباحاً

لم تكن مبادرة الانفتاح التي قام بها رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي، متوقعة لدى مسؤولينا. لكنها جاءت بمثابة "مفاجأة سارة"، فتحت آفاقاً جديدة للعلاقة بين الدولتين، تحديداً ما يتعلّق بالجانب الاقتصادي، على صعيد النفط والأسواق العراقية والديون الأردنية، وغيرها من "مصالح مشتركة" يمكن أن تتحقق لو مضت الأمور إلى الأمام، كما يؤمّل الطرفان.
الانفتاح العراقي أمّلته ضرورات استراتيجية. فعلى صعيد الطاقة، يحتاج العراق، مع تدهور علاقاته مع المنطقة الكردية والأتراك ومع الأوضاع المضطربة في سورية، إلى تأمين إمداداته النفطية إلى الدول المحيطة بالمتوسط، وهو ما يمكن أن يتحقق عبر أنبوب نفط ممتد إلى خليج العقبة، يستطيع الأردن أخذ احتياجاته النفطية منه، ما يشكّل رافداً اقتصادياً حيوياً.
والحزمة الاقتصادية التي تمّ الحوار بشأنها تمثّل فرصاً غير تقليدية في هذا الوقت الحسّاس للأردن، وتفتح أفقاً واسعاً واستراتيجياً، لكنّه في الوقت نفسه محاط بتحديات وصعوبات كبيرة، مرتبطة بالعلاقات السياسية والرهانات الإقليمية المتباينة لكلا الدولتين في المنطقة، ما يقتضي السير بهدوء وحذر في تدشين هذه العلاقات الجديدة، كي لا يتم إفسادها وتحطيمها منذ البداية.
المسؤولون الأردنيون يعيدون اليوم تقييم الموقف من رئيس الوزراء نوري المالكي، وتحديداً من تلك الفرضيات التي هيمنت على تفكيرنا باعتباره حليفاً لصيقاً لإيران. إذ تبيّن لدى المسؤولين أنّه يمتلك رؤيته الخاصة وحساباته في العلاقة مع مختلف الأطراف الإقليمية.
بالرغم من ذلك، تبقى هناك صعوبات كبيرة، تتمثّل في النفوذ الإيراني الكبير على قوى عراقية عريضة، يمكن أن تقف ضد أي مشاريع مشتركة أردنية-عراقية، وفي الوقت نفسه الصراعات المتصاعدة بين المالكي والقائمة "العراقية" والمجتمع السنّي، والاحتجاجات الهائلة ضده في منطقة الأنبار، ما قد يجعل من سؤال الاستقرار السياسي في العراق موضع اختبار، بخاصة مع انفجار الاختلافات الكبيرة بين الحكومة المركزية والحكومة الكردية!
يضاف إلى هذا وذاك الموضوع السوري، وما يبثه من حسابات طائفية في المنطقة بأسرها، ويجعل من محاولات إصلاح العلاقات وترميمها بين دول المنطقة محفوفة بهذه الأجواء المقلقة بين الدول العربية، بخاصة أنّ هنالك نسبة من الشيعة في منطقة الخليج العربي أيضاً، ما يجعل، أيضا، من المسألة الطائفية بمثابة فيروس خطر يهدد الأمن الإقليمي بأسره، في حال -لا قدر الله- آل الوضع السوري إلى مثل هذه الفوضى الطائفية والإثنية.
بالضرورة، لا يمكن النظر إلى ملف العلاقات مع العراق بصورة منفصلة عن الملفات الإقليمية الأخرى، سواء الملف النووي الإيراني أو السوري أو حتى العلاقات مع الحكومات الإسلامية الجديدة في مصر وتونس والمغرب، والعلاقة مع تركيا، ومع دول الخليج التي فتحت أخيراً باب الودائع والمساعدات للأردن هذا العام، كما كانت عليه الحال في الأعوام السابقة.
نحن، إذن، أمام معطيات جديدة تماماً في المنطقة؛ فكل ما حولنا يفرض متغيرات جديدة، وحسابات مختلفة عن المرحلة السابقة، وهو ما يطرح على مطبخ القرار في عمان ضرورة التفكير خارج الصندوق، وتجاوز الفرضيات التقليدية في التعامل مع المنطقة، إلى التفكير عميقاً في السيناريوهات المحتملة، وتعريف المصالح الوطنية ضمنها، والفرص التي يمكن أن تترتب على هذا الواقع الجديد، والتحديات والتهديدات، من ثم رسم الطريق المطلوبة والخيارات والبدائل المتوقعة.
الشرق الأوسط 2103 لن يكون بالضرورة هو نفسه في الأعوام السابقة؛ نحن أمام تحولات تاريخية كبرى، ربما تحمل من الفرص والهدايا ما لم تحمله سنوات سابقة، في حال حضّرنا درسنا الدبلوماسي والوطني جيداً، أو العكس تماماً؛ إذ يمكن أن ندفع ثمناً باهظاً في حال لم نقرأ ما يحدث بصورة سليمة!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مثال على التجديد من الاقتصاد (احسان)

    الجمعة 28 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    اعلم بأن معايير التقييم يمكن بسهولة ان تختلف من شخص لاخر بناء على الثقافة او المواقف المسبقة او المصالح وهذا هو في الواقع المبرر الرئيسي للديمقراطية. ولكن مثالي عل "الغرق" داخل الصندوق - ولا اقول التفكير داخله- سيكون من عالم الاقتصاد. فالبعض ولاسباب بعضها وجيهة يفاخر بالعودة الى سياسات صندوق النقد والبنك الدوليين مع كل ما جرته من اختلالات وازمات على الوطن العربي على مدى عقود مضت ومع اعتراف الصندوق نفسه بأخطاء الماضي في مجالات رئيسية. ماليزيا على سبيل المثال خرجت عن النموذج الارشادي لصندوق النقد وحصدت نتائج طيبة على عكس معظم الدول العربية! 
  • »ما زلنا محصورين داخل نفس الصندوق (بسمة الهندي)

    الجمعة 28 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    أستاذ أبورمان، دعنى اختلف معك هذه المرة، أظن أن العكس تماماً حدث وهو تكريس للتفكير داخل الصندوق؛ أي استمرار عقلية التكتيك والترقيع والمناكفة السياسية واللعب على التناقضات والمبالغة في وصف الانجازات دون إعادة بناء الداخل والخارج على أسس اقتصادية واجتماعية وسياسية حديثة وديمقراطية وتنموية. هذا لا يعني التقليل من أهمية مرور أنبوب نفط عراقي عبر الأردن ولكن عليك أن تتذكر أننا في يوم من الأيام حصلنا على النفط العراقي من صدام بأسعار تفضيلية غير مسبوقة (والبعض يتحدث عن شحنات مجانية) وما زلنا نتساءل كيف انعكس ذلك علينا ايجابياً حينها!
  • »العراق والأردن (عصام عبدالرزاق الاحمر)

    الجمعة 28 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    لا يختلف اثنان ان العراق عمق الأردن وسنده, والاردن عمق العراق وسنده منذ قيام الدولة الهاشمية فى كل من الاردن والعراق. وان الاختلاف الايدلوجي فى نظام الحكم لا حقا لم يؤثر على علاقة البلدين وتعاونهما الاقتصادي." أيام العز" الحرب العراقية الايرانية لم يستطع العراق أن ينفذ خط النفط كركوك العقبة , وتم استبداله بخط الزبير ينبع عبر الحدود السعودية لدواع أمنية. فهل تلقى العراق الضوء الأخضر لتنفيذ مشروع النفط عبر الأردن؟ أم لا تزال الدواعي الأمنية قائمة وكلام المالكي للأستهلاك المحلي؟ ورغم ذلك فكلا من العراق والاردن العمق الاستراتيجي للآخرهل يجد الأردن فى العراق الملاذ الآمن للخروج من وضعه الاقتصادي المتدهور , ويجد العراق فى الاردن مفاتيح التآلف العراقي السني الشيعي من جهة والعربي الكردي من جهة أخرى؟ هذا ما تكشف عنه زيارة المالكي للأردن لاحقا.
  • »الاستراتيجية والتكتيك (سعيد)

    الجمعة 28 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    لكل من نظامي الحكم في الأردن والعراق مواقف استراتيجية متجذرة بنيت على خلفيات خاصة بكل منهما لا يخطرن ببال أحد أنه يمكن تغييرها. وما تقوم به هذه الأنظمة الآن هو مجرد التحرك في إطار التكتيك لمواجهة ظروف آنية لا تصنع واقعا مختلفا بالضرورة في خارطة العلاقات بين النظامين. والحديث عن التحولات الكبرى حقيقي لكن الفرص والهدايا صغيرة إن ارتبطت بالاستجابة التكتيكية لهذه التحولات ولم تعد النظر في الاستراتيجيات.
  • »التفكير خارج الصندوق (فواز النهار - مرج الحمام)

    الجمعة 28 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    كبيرنا الأستاذ محمد . لقد اختصرت لنا الموضوع واصبت حين ختمت بالقول حضرنا نفسنا وطنيا جيدا. لا اريد ان اكون متشائم او محبط للآمال ولكن هكذا تعودنا بالأردن العمل على نظام الفزعات وألي من الله يا محلاه ونضع امورنا بيد الغير مناسب ثم نولول لاحقا ونكيل الأتهامات ويكون الفأس بالرأس ولا يجدي الندم . كل الأحترام