د.باسم الطويسي

الإعلام والهوية: الوطنيات القلقة

تم نشره في الثلاثاء 25 كانون الأول / ديسمبر 2012. 03:00 صباحاً

يكشف النقاش السياسي-الاجتماعي الحاد الذي تديره وسائل الإعلام هذه الأيام، وفي أكثر من مجتمع عربي، عن دور الإعلام في تحريك الوطنيات الراكدة، وفي استيقاظ مشاعر حادة، بعضها مبرر ولكن أكثرها غير مبرر. ما يطرح سؤال الهوية في المجتمعات المتحولة: هل هذا الحراك الحاد هو بداية الحسم التاريخي لمسائل الهوية القلقة، أم أنه مجرد موجة إعلامية عابثة؟ هنا تبدو أهمية البحث عن مكانة الهوية في المجال الإعلامي من جديد.
هناك ثلاثة مسارات أساسية يدور حولها الجدل الاجتماعي-السياسي، وهي: مسار تشكل وبناء الهوية، ومسار صناعة الهوية، ومسار تنمية الهوية. وتتداخل هذه المسارات، فلا يوجد فصل واضح بينها في المجال الإعلامي الراهن.
ارتبط اختراع الطباعة وظهور الجيل الأول من الصحف، بأصول الأوطان الحديثة والوطنيات. حدث ذلك بشكل جلي في نموذج بناء هوية "الدولة القومية" في أوروبا. فتكنولوجيا الطباعة جعلت أمر تثبيت اللغات الوطنية وتنميتها ونشرها أمراً ممكناً، وأساساً لإرساء الانتماء والهوية من خلال استهلاك الأفراد أخبارا وأفكارا مشتركة؛ أي إنتاج وعي النخبة الوطنية التي تقوم بوظيفة  نشر وعي وطني مشترك.
ساهمت وسائل الإعلام في ترجمة نظرية "الانصهار في البوتقة" في النموذج الأميركي، من خلال الدور الذي قامت به الصحافة، ثم الإذاعة والتلفزيون فيما بعد، في الاندماج الاجتماعي. وقد اتبع النظام الإعلامي الأميركي سياسة المحلية في وسائل الإعلام بصرامة؛ أي منح المضامين المحلية الأولوية والحصة الكبرى في اهتمامات وسائل الإعلام، لخلق التوافق بين المضامين الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في إطار ثقافي مشترك صارم.
كما لعبت سياسة المحلية في وسائل الإعلام دوراً حاسماً في مسار الأمم الجديدة، أي عملية بناء المواطنة التي تجمع العديد من الثقافات والأعراق والأديان. وطورت الخبرة المهنية تجارب جديدة في النصف الثاني من القرن العشرين، تدل على قدرة وسائل الإعلام على نشر ثقافة عامة مشتركة تزيل الفروق والاختلافات، وتجعل من تعايش الثقافات الفرعية أمراً قابلا للحياة، بنسج الإعلام ثقافة وطنية شاملة أو جامعة. ذلك أن الوطنية لم تكن فقط مرتبطة بالتطور الرأسمالي للمجتمعات، وإنما مرتبطة أيضا بعملية التناغم والتوافق الثقافي عن طريق وسائل الإعلام الجماهيرية.
وأكدت مجموعة من الدراسات مركزية وسائل الإعلام الحديثة في صناعة الهوية الوطنية؛ فملايين الناس اكتسبوا شعورهم الوطني، وما يتبعه من أحاسيس بالهوية والمواطنة، عندما وضعتهم الصحف في اهتمام مشترك مع بعضهم الآخر، بينما فتحت الإذاعة النافذة السحرية للخيال في دغدغة مشاعر الانتماء للجماعة، والإحساس بالهوية وتحفيزها، وقام التلفزيون بصياغة القيم التي حددت الهوية الوطنية وجسدتها.
يشكل نموذج دول ومجتمعات أوروبا الشرقية، في حالتي الاندماج في عهد الكتلة الشرقية وفي عهد الدولة الجديدة، أمثلة قريبة لأدوار الإعلام في أطروحة الهوية. إذ تثبت تجارب هذه الشعوب أن الإعلام الموجه من قبل الدولة، وتحت وطأة القمع الممارس من قبلها، لم يكن كافياً لترسيخ عواطف وطنية جامعة، وإنشاء هوية على أسس أيديولوجية، فيما استخدمت الثقافات المحلية والإقليمية المناهضة للشيوعية وسائل الإعلام في إعادة تشكيل الهويات الوطنية، وبسرعة إحياء وتجدد تجاوزت التوقعات. وهو ما يتحدث عنه تيار "عودة الأوطان" في أدبيات ما بعد الحداثة، ليس في أوروبا الشرقية، بل في ثقافات محلية وهويات بائدة استعادت مكانتها بفضل استخدامها المكثف للإعلام.
تعمل وسائل الإعلام الجديد على أكثر من مستوى في التوحد والدمج والتجزئة والتفتيت؛ فالتطبيقات التكنولوجية الجديدة، وقدرة شبكة الإنترنت، لا تتوقف على قوتها في نشر الوعي بالهوية، وتقريب الناس، وتقليل شأن عنصر المكان كوعاء للهويات الوطنية، وبروز هويات وطنية تتجاوز الحدود، بل تمتد هذه القوة إلى صناعة الهويات المتخيلة.
الاستنتاج المهم هو أن الحرية وحدها لا تبني الأوطان إذا لم يصاحبها حد من التوافق والإجماع على القيم الكبرى في الحياة العامة. فبدون ذلك تصبح التعددية مشرطا لتمزيق الأوطان لا أكثر. أما الاستنتاج الآخر حول مكانة الإعلام الجديد في الجدل حول الهوية، فيبدو في أن الهويات المشكلة بعناية، والمصاغة حسب قوالب الدولة، هي هويات في خطر ما لم تشهد إنماء يدخل إلى عمق المجتمع.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الاعلام (hayet)

    الجمعة 18 كانون الثاني / يناير 2013.
    شكر خاص لناشري هذا المقال لانه أفادني في بحثي
  • »اقصر الطرق (ماجد عبوني)

    الثلاثاء 25 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    ما يحدث في مصر ضرورة وبل حتمية حتى تستقر الأمور في نهاية المطاف ، وحتى يتعلم الشعب المصري اين مصالحهم الحقيقية ، كل الشعوب التي مرت في ظروف مماثلة مرت بمعارك ودماء المشكلة كيف نحدد المصالح ونصل اليها باقصر الطرق
    مشكلتنا في الوصول الى اقصر الطرق
  • »لنزيل (( العنتريه )) عند العربي اولا ...... (أردني بفكر حاله بفهم بالهويه والوطنيه)

    الثلاثاء 25 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    العنتريه عند العرب ثقافه مشتركه .فعند المصريين ( مصر ام الدينا ) . وعند الخليج العربي ( نحن العرب الباقين اجانب ) .وعند الاردنيين ( حنا وحنا ...)وسق باقي هذه الامثله على باقي العرب .
    عندما نتخلص من هذه العنتريه الفارغه السخبفه عندها يكون لكل حادث حديث ...