د.باسم الطويسي

هل تغير معنى التغيير؟

تم نشره في الاثنين 24 كانون الأول / ديسمبر 2012. 03:00 صباحاً

مشهد المجتمعات العربية في أواخر الربيع العربي، يشير بجلاء إلى غياب مفهوم واضح للتغيير الذي طالما بنيت عليه الآمال والأشواق طوال عقود من النضال السياسي والاجتماعي. فيما ثمة شعور عميق بالخيبة، وسط حالات الاستقطاب والانقسام السياسيين اللذين باتا يذهبان نحو العمق الاجتماعي للناس. ولعل المشهد المصري بعد انتهاء الاستفتاء على الدستور يعبر عن أيام مقبلة طويلة وصعبة.
في ضوء الأحداث المتسارعة، لم يعد معنى التغيير كما كان يدركه الناس، ولم يعد هناك أي معقول يركن إليه الناس أيضا؛ فكل شيء وارد، وكل احتمال قابل لأن يتحول إلى واقعة في اليوم التالي، فيما ثمة استعصاء عجيب يلح باستمرار الماضي الذي يخرج من كل مكان ونجده في كل التفاصيل، حتى بات الناس يتلمسون رؤوسهم خشية من الجنون، فيما ينتشر ضعف اليقين في كل التفاصيل، وتتراجع الثقة ويتضاءل رأس المال الاجتماعي وسط حالات من الانفعال والحدة التي تسم الأفعال وردود الأفعال.
أزمة الخوف المتبادل بين تعبيرات الدولة الدينية والدولة المدنية، والتي عبرت عنها الانتخابات العربية والاستفتاءات في واحدة من أوضح صورها هذه الأيام، تزيد من حالة الاستعصاء والاكتئاب. إذ نجد خوفا متبادلا من الإقصاء المتبادل باستخدام الأصول الثقافية والدينية مرة، والعمق المجتمعي مرة أخرى، وتبادل أشكال العنف المادي والعنف المعنوي معاً، ما يجعل الناس يخشون على رؤوسهم بالفعل، قبل أن يخشوا على سلامة ما في داخل هذه الرؤوس.
التعبئة السياسية واحدة من أدوات إدارة المصالح في الحياة الديمقراطية، لكن على أن لا تتحول هذه التعبئة إلى عبث بالعمق الاجتماعي والتحريض المتبادل ونقل الانقسام في الشارع السياسي إلى التعبيرات الاجتماعية. وهذا للأسف ما نفعله في إدارة أزمات التعبير الديمقراطي المتكررة.
ما يجري اليوم هو أن القوى السياسية والاقتصادية تتقاسم منابر وسائل الإعلام لتضيق المجال العام، وتوجهه نحو ردود الفعل والمواقف الانفعالية، أو تنمية اشتباكات وصراعات داخلية. يتم ذلك بينما تكون هذه الوسائل غائبة عما يحدث في العمق من تحولات، أو منسحبة بخجل وخوف، ما يطرح سؤالا كبيرا: هل ما يزال الناس يسعون إلى التغيير؟ هذا الواقع يفسر بعض جوانب العلاقة بين الإعلاميين والسياسيين، ودورها في تردي الحياة السياسية في هذه المرحلة. وبالتالي، يكون السؤال الأكثر أهمية: من يحدد ما يفكر فيه الناس باعتباره قضايا الساعة؟ وبكلمات أخرى، كيف يتم تعليب الرأي العام في قوالب جاهزة؟
تشكل هذه المرحلة الانتقالية فرصة نادرة لبناء منظومة الولاء لقيم ديمقراطية وطنية، عبر تجديد نخب المجتمع والدولة، والدخول في إصلاح فعلي بالاندماج في الهوية والديمقراطية والمشاركة والتنمية العادلة. ولكن مصدر الخوف يأتي من حجم التشويه والإرباك اللذين تشهدهما هذه المرحلة، واللذان يضربان اليقين والثقة بالتغيير.
"الجماهير لا تخون"، لأنها هي التي تفرز المعايير والقيم، وتحدد من هو الخائن ومن هو الشهيد. لكن المجتمعات وجماهيرها تفقد البوصلة حينما تُطعن من الخلف من قبل نخبها؛ حينما تتحلل النخب وتفقد وظيفتها الأساسية كمركز عصبي حساس، وتفقد القدرة على تحديد القيم الكبرى وتحديد تعريفات إجرائية للمصالح الوطنية. فالكثير من حركات التحرر الوطني، في طول العالم وعرضه، شهدت انقسامات داخلية واقتتلت في داخلها، لكنها لم تسلم بنسف معنى التغيير.
أكثر ما يحتاجه الناس هذه الأيام من الثورات العربية ومن الديمقراطيات المنتظرة، هو الأمل واستعادة الطمأنينة، وتحديد ما نريده من التغيير.

التعليق