عيسى الشعيبي

فك شيفرة لافروف

تم نشره في الجمعة 14 كانون الأول / ديسمبر 2012. 03:00 صباحاً

طوال عشرين شهراً من عمر الربيع السوري الدامي، بعد ان  تحول إلى تمرد شعبي مسلح، كان ناظر الدبلوماسية الروسية العتيد بمثابة حامل أختام قصر الشعب في دمشق والأمين على أسراره، وكان سيرغي لافروف الناطق المعتمد باسم النظام المعزول حين يغيب وليد المعلم، الذي طالت غيبته في الأشهر الأخيرة، وفي كثير من الأحيان بدا وزير خارجية فلاديمير بوتن وكأنه واحد من الحرس القديم في القيادة القطرية لحزب البعث،  إلى الحد الذي أطلق عليه بعض السوريين، على سبيل التهكم، اسم وليد لافروف.
كان هذا الدبلوماسي العتيق، من زمن الاتحاد السوفييتي السابق، آخر ضيف مهم حل في دمشق أوائل الأزمة، حيث جرى استقباله بحفاوة رسمية بالغة، شاركت فيها حشود شعبية لا سابق لها في مراسم الترحيب على طول الطريق بوزير خارجية، مما بدا وكأنه رئيس دولة عزيز حل في العاصمة التي امتنع عن زيارتها الرؤساء والوزراء العرب والأجانب، بمن في ذلك الضيوف اللبنانيون الذين اعتادوا على اخذ صورهم مع الرئيس الحاكم بأمره في الديار اللبنانية.
ومنذ أول إطلالة له على خشبة مسرح الأزمة السورية، كان لافروف أشبه ما يكون بمسوّق غير بارع لبضاعة منتهية الصلاحية، فلما تم صده من جانب المستهلكين، عاد ليعرض ذات البضاعة الفاسدة بغلاف جديد وتاريخ انتهاء مزور، وفي سبيله لتمرير هذه البضاعة المغشوشة، قام بحملة إعلانية واسعة، قدم فيها كل التسهيلات بالدفع، كما عرض جوائز مغرية، لعل هناك مشترٍ يقبل المجازفة بعرض مثل هذا المنتج البائر على رفوف دكانه.
والحق أن دبلوماسية العناد والمناكفة، التي بالغ وزير الخارجية الروسي في اتباعها، حققت بعض النجاحات الجزئية المهمة، حيث بدت موسكو أول الامر كعبة الساعين لحل الأزمة، وصاحبة القول الفصل في عقد أي صفقة، كما بدت روسيا وهي تمسك بتلابيب الحل والعقد في هذه الأزمة، كدولة عظمى تستعيد تدريجياً مكانتها الباذخة على المسرح الدولي زمن الاتحاد السوفييتي، إلا انه عندما تجاوزت موسكو قواعد اللعبة، راحت تخسر أوراقها تباعاً، فتضاءلت فعاليتها بانتظام، وأخرجت نفسها بنفسها من المعادلة.
ولعل السؤال هو: ما الذي يدفع موسكو إلى التمسك إلى هذا الحد بحكم آل الأسد، وهي ترى بأم العين الجيش الحر يتقدم نحو تخوم العاصمة؟ وهل هناك حقاً مصالح استراتيجية روسية كبرى لا يضمن أحد تحقيقها في سورية غير طبيب العيون الذي فقد بصره ورشده؟ ولم كل هذه المقامرة بصداقة موسكو التاريخية ومصالحها بعيدة المدى مع العرب، كرمى لخاطر حاكم مستبد مالت شمسه إلى الغروب، ودنت ساعة فراره أو قتله؟.
وإذ يمكن لنا فهم مغزى التورط الإيراني في دماء السوريين، بالمال والسلاح والخبرات البشرية، باعتبار أن طهران تحارب في الخط الأول من دمشق دفاعاً عن نفسها وعن ذراعها الطويلة في لبنان، وتستقتل في الإبقاء على أهم اختراق لها في العالم العربي تحت مسمى قوى الممانعة، غير أنه لا يمكن لنا بالمقابل  فهم كل هذا التماثل بين موسكو ودمشق، وكل هذا الترويج الروسي الساذج لرواية طاغية دمشق عن العصابات الإرهابية والمؤامرة الكونية، ناهيك عن دعمه بالقنابل العنقودية وصواريخ سكود والبراميل المتفجرة وغيرها من الأسلحة المحرمة.
وبالنتيجة، أحسب أن كل محاولة لفك ألغاز شفرة لافروف هذه، التي حيرت الباب بعض المعلقين الروس، لن يكتب لها النجاح، بمعزل عن إدراك حقيقة أن الدبلوماسية الروسية الخارجة لتوها من بيات شتوي طويل كانت ولا تزال بطيئة، وتأتي في العادة متأخرة، يشوبها عناد غير مبدئي، وتسكنها أحلام استعادة ماضٍ إمبراطوري مضى، تتملكها رغبة في تأكيد حضور سياسي موازٍ لغريمتها أميركا، وتتنازعها مع الأسف حسابات صغيرة وتحسبات أصغر، تخصم بشدة من رصيد حسابها الضئيل لدى الشعوب العربية.

التعليق