محمد أبو رمان

برسم الإجابة من الرئيس!

تم نشره في الأحد 9 كانون الأول / ديسمبر 2012. 03:00 صباحاً

تداعيات رفع الدعم عن المشتقات النفطية بدأت تتدحرج، وتمس بدرجة رئيسة الشريحة العامة من المجتمع، لكنّها تصيب بمقتل الطبقة الوسطى، التي تشكّل العمود الفقري للسلامة الوطنية والاستقرار الاجتماعي. وبالمناسبة أوّل من استخدم مصطلح "السلامة الوطنية" (على صعيد الحوار الوطني هنا) هو تقرير صادر عن كلية الدفاع المرتبطة بالقوات المسلّحة، قبل قرابة أربعة أعوام، وجاء ذلك في سياق تحديد أحد أبرز مصادر التهديد الجديدة للأمن الوطني، وفي مقدمتها الأبعاد الاجتماعية الناجمة عن السياسات والأوضاع الاقتصادية التي تمرّ بها البلاد.
اليوم، بدأ أبناء الطبقة الوسطى يشعرون بالآثار القاسية؛ زيادة في رسوم المدارس الخاصة والجامعات الخاصة، وبأسعار المواصلات، وبالسلع المتنوعة والمتعددة، وبالضرورة شركات التأمين سوف ترفع رسومها، والمستشفيات الخاصة، والأدوية، وسينعكس ذلك بصورة أكثر وضوحاً على معدّل الإجارات (مع بدء سريان قانون المالكين والمستأجرين)، والعقار، وهكذا دواليك.
دعونا نقف عند أحد هذه المجالات؛ وهي المدارس الخاصة – فهي "مثال كشّاف" لحجم الأزمة وعمقها- إذ ترفع الرسوم وتفرضها على الأهالي من دون حسيب أو رقيب، وكأنّنا أمام "عقد إذعان"، في حين يضطر الآباء الباحثون عن جودة تعليم أبنائهم، أن يقبلوا بذلك بلا نقاش، فكل ما في الأمر أن تصلك رسالة قصيرة عبر الهاتف تبلغك بأنّ أقساط ابنك للعام المقبل ارتفعت
بمقدار 30 % فقط!
ربما نفهم أنّ الكلفة ارتفعت على المدارس، التي يمتلك أغلبها هامشاً جيّداً من الربح (فهي في نهاية اليوم جزء من القطاع الخاص الساعي إلى الأرباح والكسب)، لكن بالضرورة لم تصل إلى درجة الـ30 %، لكن لغياب أي نوع من أنواع الرقابة، ولضعف التنافسية في مجال التعليم الخاص، وغياب الجودة عن كثير من المدارس الخاصة، تكون النتيجة هي اضطرار الأهل لقبول الرفع الجديد، لأنّ البديل محدود جداً، مع أنّ ذلك يفوق كثيراً قدراتهم المالية!
إذا أضفنا إلى المدارس باقي المجالات، الإجارات والرسوم؛ فإنّ الطبقة الوسطى، بشرائحها المختلفة (العليا والوسطى والدنيا، من يتراوح دخلهم الشهري بين 800 دينار إلى 2000) هي في طور الانهيار الآن، تحت طائلة العجز عن عدم القدرة على اجتراح معادلة جديدة بدلاً من المعادلة القديمة التي سقطت سقوطاً ذريعاً مع الارتفاعات الأخيرة للأسعار، فكيف لنا أن نتخيّل وضع هذه الطبقة، بعد إقدام الحكومة على رفع أسعار الكهرباء؟!
المضحك المبكي أنّ السيد رئيس الوزراء يظنّ أن مشكلة قرار رفع أسعار المحروقات تتمثّل فقط بمدى شجاعة أي رئيس وزراء على اتخاذ القرار، وهو ما أقدم عليه هو وعجز عنه أقرانه السابقون! من دون أن يوسّع نطاق تفكيره بالأزمة للوصول إلى أنّ القصة تتمثّل في عدم تقديم حزمة متكاملة ومقنعة واجتراح معادلة جديدة للتوازن الاقتصادي- الاجتماعي في البلاد، سواء على صعيد مكافحة التهرب الضريبي أو خفض النفقات الجارية وإقرار قانون ضريبة عادلة تصاعدي، وإعادة النظر في قدرة الحكومة على رقابة القطاع الخاص،..الخ.
صحيح أنّ الطبقة الوسطى في أميركا والغرب (كما يردّد الوزراء والمسؤولون لدينا) تدفع ضرائب وتواجه ظروفاً اقتصادية صعبة، لكنّها مرتاحة من أهم ما يعنيها ويهدّدنا هنا، فالمدارس الحكومية هناك أفضل من أفضل المدارس الخاصة لدينا، بأسعار رمزية، والتأمين الصحي جيد، والمواصلات مؤمّنة، بمعنى أنّ الأمن الاجتماعي ليس مهدّداً، كما هي الحال لدينا اليوم!
هذه الآثار ستنعكس أيضاً بصورة أكثر خطورة إلى الاقتصاد الوطني، إذ سيحدث ما يسمّى بـ"تضخم دفع الكلفة" (بسبب انخفاض القدرة الشرائية وليس ازدياد الطلب)، ويؤدي إلى "الركود التضخّمي"، الذي سيمس الأغلبية العظمى، فهل يملك الرئيس أجوبة عن هذه الأسئلة التي تتجاوز دعوى الشجاعة في اتخاذ القرار إلى طرح تساؤلات تمس المجتمع والدولة والأمن والاقتصاد؟!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تعقيبرمانة عقيب على الاخ عطشان (محمد ابو رمان)

    الأحد 9 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    بالتاكيد اخي ليس من اختراعنا لكن قلت انا من آثاره على صعيد السجال الوطني هي كلية الدفاع مع الشكر لمعلومات القيمة
  • »إقتراح (نادر شهاب)

    الأحد 9 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    لماذا لا توجد معادلة من جهة معتمدة لتحديد الحد الاقصي للزيادة في أسعار القطاعات الحيوية سنويا مثل التعليم و الصحة و السكن كما هو الحال في مجال تحديد أسعار الادوية.
  • »تصحيح (عطشان)

    الأحد 9 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    للعلم دكتور مصطلح السلامة الوطنية ليس من عندنا المصطلح هو نظرية في الامن الوطني تابع للمدرسة الفرنسية،وهو نظرية شاملة واستراتيجية لمفكرين استراتيجيين فرنسيين،وقد استخدمه جيل كابيل عندما كان مستشارا لساركوزي
  • »والخير بالجايات... (ابو علاء)

    الأحد 9 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    والمضحك المبكي أيضاًعندما قال مقولته (أنا أقوى من المخابرات) حينما اتخذ قراره الجائر برفع الدعم عن المحروقات وكأن القوة والشجاعة لديه في أن يُتخذ قرارات تُقصم فيها ظهر الشعب..!
  • »يحق له ان يسير كالطاووس (ابو ركان)

    الأحد 9 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    اعتقد ان رئيس الوزراء النسور يشعر بالفخر اليوم بعد ان تخطى مسألة رفع اسعار المحروقات ولسان حاله يقول ( شوفتو لقد اذعن المواطن لما اريد) والامر اولا واخيرا امتلاك الشجاعة الكافية لفرض ما تريده الحكومة, هذا هو ما يدور بذهن رئيس الوزراء وربما هذا ما يردده على مسامع اصحاب القرار صباحا مساء, ومعه حق فلقد اقدم على ما لم يجرء غيره على فعله بل استطاع النسور ان يوقظ كل الاردنيون من نومهم قبل ان تطلع الشمس ونجح نجاحا كبيرا.
  • »شكرا لك (ابو سامي)

    الأحد 9 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    يا ريت المعنيين بالامر يفهموا كلامك اخ محمد ....
    ولكن صدقني المهم في الامر هو تحميل الشعب الاردني اخطائهم على مدار السنوات السابقة من فساد وظيفي ومحسوبية وواسطة عمياء ورشوات ونهب اموال عامة