د.باسم الطويسي

صحافة الوجبات السريعة

تم نشره في الاثنين 3 كانون الأول / ديسمبر 2012. 02:00 صباحاً

فكرة "تصنيع القبول" فكرة قديمة، تعود إلى بحوث وممارسات ليبرالية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد برزت كأسلوب تتبعه ديمقراطيات سلطوية بهدف سرقة الرأي العام وتزييفه أو تعليبه. "تصنيع القبول" قريب من التسويق السياسي، ويستخدم في المراحل الانتقالية وضمن مسار إدارة التغيير، ولكنه في الكثير من الأحيان يستخدم تحت أسواط مصادرة الحريات، فيما العنوان الكبير والظاهر فائض من الحريات. والفكرة التي كانت مقبولة في زمن الحرب الباردة، حتما تبدو مكشوفة في مجتمعات ما بعد الربيع العربي.
منذ منتصف التسعينيات، برزت أمراض بعض الديمقراطيات مجددا في إعادة تصنيع القبول. وفي هذه المرة، ظهرت نظرية جديدة مفسرة لما يجري هي نظرية "صحافة الوجبات السريعة"؛ كيف بات الإعلام يوظف في هندسة الرأي العام تحت شعارات وممارسات ديمقراطية، فالناس مطلوب منهم أن ينكبوا على سلعة واحدة شهية متشابهة وكبيرة، مثلما يحدث في مطاعم الوجبات السريعة التي تتعامل مع البشر مثل الآلات. وكذلك كيف يتحول الإعلام إلى صناعة القبول المزيف. حدث ذلك في مواجهة أمراض الديمقراطيات الناضجة، فما بالك في مجتمعات لم تعرف من الديمقراطية إلا الشعارات والوعود؟
وتعميم مفهوم "الوجبات السريعة" على المزيد من القطاعات في المجتمع والحياة الاجتماعية والثقافة والسياسة، وبواسطة الإعلام، يقوم على أربعة أبعاد أساسية: الأول، الكفاءة في الوصول إلى الخدمات والسلع، كما هو حال مطاعم الوجبات السريعة. والثاني، الكم على حساب النوع، أي الاعتماد على العدد؛ فحجم الوجبات السريعة أصبح مقياسا للقيمة. والثالث: القدرة على التنبؤ بسلوك الزبائن. والرابع: التحكم من خلال التكنولوجيا الواسعة التي تجعل الجهد البشري مجرد مراقب.
وصاحب انتشار صحافة "الوجبات السريعة" ازدهار الصحافة المحلية من خلال زيادة حجم الإعلانات ونمو أرباح هذه الصحف في الوقت الذي يتراجع فيه عدد قرائها. وتقوم نظرية الوجبات السريعة في الصحافة على تقديم صحف موحدة، أي متشابهة في المضمون؛ وقادرة على التنبؤ، أي معرفة ما يطلبه القراء بالفعل، الأمر الذي ينعكس بالتالي على حجم الإعلانات والاعتماد على الكم بدل النوع، إذ تقوم الصحف ووسائل الإعلام بالاعتماد على النشرات والأخبار المعدة مسبقا كما تريده السلطات، فيما يتجادل الكُتاب والمعلقون على تفسير ما تريده السلطات، وكأن لا فرق بين مهمة "عمال مطاعم الوجبات السريعة" الذين يقومون بمجرد تسخين الوجبات وتقديمها للزبائن، مقارنة مع الممارسات الجديدة للصحفيين الذين لا تتطلب مهمتهم أكثر من تقديم وجبات إعلامية ساخنة، ولكن على المقاس.
"تصنيع القبول" يعني محاولة اختطاف الرأي العام باسم الديمقراطية، وبطرق ديمقراطية. ويتم ذلك بمنهجيات متعددة، منها ضبط وإعادة هيكلة وسائل الإعلام ومؤسسات المجتمع المدني لتعمل لصالح "تصنيع القبول". إذ يتم ذلك بطرق تبدو ديمقراطية بدون إرغام، لكي يبدو أن الناس تذهب بهذا الاتجاه أو ذاك برضاهم، ثم السيطرة على قادة الرأي، بمعنى أن لا يظهر قائد رأي إلا بعد أن يمر بمرحلة الغربلة والتدقيق. ويسهم في ذلك إنتاج نخب جديدة أو إعادة تأهيل نخب ثقافية ونجوم في الإعلام على المقاس المطلوب، تبدو أنها أسماء مستقلة ومصونة.
يصف إدوارد برنايز فكرة "تصنيع القبول" ضمن ما تتيحه نماذج الديمقراطية من إمكانات للتحكم بالرأي العام من خلال نخب صغيرة في السلطة، ومن هم على هوامش السلطة ووسائل الإعلام، كون نمط التفاعلات الديمقراطية تسير من الأعلى إلى الأسفل. والمهم غربيا أن تسريبات "ويكيليكس" كشفت تاريخا طويلا من سياسات تصنيع القبول في الغرب، والتي لا يمكن أن تمرر بنفس المنهج مرة أخرى في تلك المجتمعات. ولكن المفارقة كيف تنتج اليوم منتجات صناعة القبول سيئة الجودة وبالجملة، وعلى طريقة عمال مطاعم الوجبات السريعة في مجتمعات الربيع العربي، ويتم استهلاكها بالصحة والعافية!

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »السلطه الرابعه ودورها في توجيه المجتمعات (محمد سلمان الدراوشه)

    الأربعاء 5 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    د.باسم الطوباسي في مقال بعنوان (صحافة الوجبات السريعة ) المنشور في صحيفة الغد بتاريخ 3/12، لا شك انه اجاد الوصف ،والدكتور الطوباسي مشهود له بالقدرة على التعبير واستنباط المثل من الواقع ،وأعجبت جدا بدقة الوصف وطرافة التعبير ،دقة الوصف في عبارة تصنيع القبول وطرافة التعبير في عنوان ومتن المقال الوجبات الصحفية السريعة،وذلك قياساعلى كل ما هو سهل وسريع التناول بدءا بغذاء الجسد من طعام وشراب ،مرورا بالتنقل والاتصال وقد لا يكون انتهاءا بالعلم والمعرفه ،وهي نتيجة حتمية للعولمة بحيث اصبح العالم بقاراته الخمس وفضائه الشاسع مفتوحا على مصراعيه لكل باحث وطالب معرفه وهو جالس في بيته او مكتبه او في مركبته او حتى سيرا على الاقدام متنزها او متسوقا .ولكل حسناته وسيئاته، فالوجبات الغذائيه السريعة عندما اصبحت روتينا وعادة لسبب او بدون اثبتت الدراسات الطبية الحديثه انها تتحول من غذاء للجسد الى سموم ودهون وترهل وسبب لمختلف الامراض .وكذلك كل ما يطلق عليه وجبات سريعه من التنقل الى الاعلام(السلطة الرابعة ) واهمها الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي المتطوره كالنت والهواتف المحموله ، ثم الصحافة واعتقد ان هذا الاهم والذي قصده الدكتور الطوباسي وهو كاتب وصحفي متميز ومؤثر .وأقول نعم فهي وسائل تصنيع القبول لقدرتها العجيبة في التأثير على المجتمع وغسل الادمغه وتغيير التوجهات.وسرعة تبدل الآراءوالانتقال من اقصى اليسار الى اقصى اليمين ، وخاصة كما قال الدكتور الطوباسي اننا مجتمعات حديثي عهد بالديموقراطية،وهذا يذكرنى بما قاله معالي الدكتور عبد اللطيف عربيات من خلال شاشة تلفزيوننا الرسمي وهو يتحدث خلال مؤتمر له علاقة بالديموقراطية ، فقد قال معاليه كنت في زيارة رسمية لبريطانا بعد حرب الخليج وكان ضمن برنامج الزبارة لقاء في مجلس العموم البريطاني،والمعروف ان بريطانيا اقدم الديموقراطيات في العالم ، فقيل له بعد 700 عام من الديموقراطية يتجرأ رئيس وزرائنا بلير ويضرب عرض الحائط برأي مجلس العموم ويشارك بحرب الخليج .أعتقد ان بلير لم يكن ليتصرف على هذا النحو لولا فكرة تصنيع القبول التي مارسها الاعلام والصهيونية العالمية وتأثيرها على المجتمع الغربي والبريطاني بالذات .
  • »المزيد (ابو سفيان)

    الاثنين 3 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    الدكتور باسم الطويسي تحية طيبة
    لماذا لا يكون هنالك محاضرات توعيه للمواطن تعقد وندوات لتثقيف الشباب والمجتمع بهذا الأمر وهل من الممكن ان اسمع بمحاضرة للدكتور الطويسي بهذا الخصوص بمدينة البتراء والتي هي من ضمن المجتمع والتي تتأثر بالصحافة والإعلام كغيرها من المجتمع الأردني والعربي
  • »تأييد لرأي د. باسم (جواد الخضري)

    الاثنين 3 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    الشكر الجزيل للدكتور باسم الطويسي على طرحه لهذا الموضوع الهام جدا والذي آمل أن يتم التوسع به من خلال ندوات وورش عمل ليستطيع القاريء التمميز بين الصحافة الحرة والنزيهة التي يفتقدها العالم العربي إضافة للإعلام الغربي الموجه خدمة للأغراض التي تخدم مصالح الغرب نعم أصبح الاعلام العربي في ظل غياب الحريات يشبه مطاعم الوجبات السريعة وبالتالي خلق صحافة تبحث عن الخصوصية والتفنن في تحقيق الشهرة والتكسب بما يشبه الابتزاز من خلال من يريد استخدام الاعلام في وضع صورة له مغايرة ومختلفة عن الواقع الحقيقي وهذا ما أفسد الكثير ممن يسمون أنفسهم صحافيين وكذلك افساد مؤسسات اعلامية وصناعة مؤسسات اعلامية تكرس الفساد الاعلامي مما يشوه الصورة الحقيقية للإعلام الحر والصادق .