قراءة بين السطور في قرار إعادة هيكلة مؤسسات رئيسة

تم نشره في الأحد 2 كانون الأول / ديسمبر 2012. 02:00 صباحاً
  • › مقالات سابقة

قرار الحكومة الذي صدر مؤخراً حول إعادة هيكلة ودمج عدة مؤسسات ومنظمات ووزارات، يفتقر إلى رؤية واضحة وصحيحة، لاسيما ما جاء به القرار من إلغاء لوزارة البيئة وتحجيم دورها و/ أو صفتها، لتصبح مجرد دائرة أو مديرية ملحقة بوزارة البلديات التي عرفت تاريخياً بـ"وزارة البيئة الأم". ففي حال تنفيذ هذا القرار، ستكون له عواقب وخيمة، وسيمثل انتكاسة كبيرة للمحاولات والمساعي البيئية خلال العقود الماضية.
لقد بذل البيئيون والباحثون المتخصصون وغيرهم من أصحاب الضمير، أكثر من ثلاثين عاماً من العمل المضني لتحقيق هذا الحلم المتمثل في إنشاء هيئة رسمية معنية بالبيئة، تكون مستقلة في جميع جوانبها، ولديها السلطة والصلاحيات الكاملة في مجالها لتنظيم شؤون بيئتنا والحفاظ عليها، وصولاً إلى بيئة تحقق الازدهار المستدام لحاضرنا ومستقبل الأجيال القادمة. وهذا الجهد الكبير هو الذي أثمر قيام وزارة البيئة في العام 2003، لتكون المرجعية الحقيقية المخولة حماية البيئة، ولتكون أيضا مركزاً للتميز يحتذى به على المستويين الوطني والإقليمي. والسؤال الذي يطرح نفسه: ما الفائدة المبتغاة من إلغاء هذه الوزارة، أو تحجيمها، أو دمجها بغيرها، مع أنها تشكل كياناً ونموذجا حكوميا تعليميا؟ هل بُني القرار على دراسات اقتصادية واقعية ومدروسة، أم أن دوافعه سياسية بحتة، أم ماذا؟
من نافلة القول إن من السهل تقويض أكثر الهياكل رسوخاً، وإن ما يقوض اليوم يصعب بناؤه غدا مهما كان بسيطاً. ولا نذيع سراً بأن وزارة البلديات تواجه مشكلات إدارية ومالية عديدة منذ وقت بعيد، ناهيك عن أن ملف الانتخابات البلدية الذي يتصدر هذه المشكلات يعد من أولويات الوزارة في الوقت الحالي.
الأمر المحير في هذا الموضوع هو أن أصحاب القرار وغيرهم من المطلعين وذوي الخبرة والمعرفة، على علم بالدور والمهام التي تقوم بها وزارة البيئة، ورؤيتها ورسالتها، فكيف إذن تُدمج أو تصبح جزءا من وزارة تغرق أصلا في المشكلات والمصاعب من رأسها إلى أخمص قدميها، وتحتاج هي إلى من ينقذها؟!
برأيي أن هذا القرار يفتقر إلى بعد النظر؛ فهناك كثير من المشاريع، والتي تقدر قيمتها بحوالي مائتي مليون دينار، تتولاها وزارة البيئة. مثال ذلك مشاريع الاقتصاد الأخضر، والتغير المناخي، والنفايات الطبية والصناعية الخطرة، والمواد المستنزفة للأوزون، ورصد نوعية الهواء المحيط، وإعادة تأهيل سيل الزرقاء، وحملات مكافحة الإلقاء العشوائي للنفايات، وغيرها من المشاريع والأنشطة المختلفة.
فهذه المشاريع ستكون معرضة للخطر و/ أو الخلل في الأداء في حال تم تحجيم دور وزارة البيئة و/ أو إعادة هيكلتها! إذ قد تتميع المشاريع في جهاز حكومي أكبر. وبالتالي تكون نتائج ومحصلات المشاريع، برأيي، غير مرضية للجهات المانحة أو المستفيدة على مستوى الوطن. وهذا ما سيقضي على إمكانية دعم هذه الجهات ومشاركتها لنا مستقبلا، ناهيك عن الأثر النفسي السلبي على موظفي الوزارة، كما الأثر المتمثل في تدني نوعية الخدمات المقدمة للمواطنين. وهنا تجدر الإشارة إلى أن وزارة البيئة لم تكن يوماً عبئاً على خزينة الدولة، بل إن ميزانيتها غالبا ذاتية، ويصل معظم تمويلها من المنظمات الدولية المعنية.
كذلك، هناك اتفاقيات دولية كثيرة ما كانت الحكومة لتتمكن من إبرامها لولا وجود قانون قوي لحماية البيئة في الأردن، تنفذه وزارة مستقلة معنية بالشؤون البيئية. ومثال هذه الاتفاقيات: اتفاقية التجارة الحرة مع الولايات المتحدة الأميركية، ومؤخرا اتفاقية التجارة الحرة مع كندا. فقد كان إنشاء وزارة البيئة مطلبا وشرطا أساسيا مسبقا لأي معاهدة أو اتفاقية من هذا النوع، بهدف تشجيع مناخ جذاب ومستدام للاستثمار في الأردن. وكان ذلك مصدرا من مصادر الفخر والاعتزاز، وهنأنا أنفسنا على تلك الإنجازات الكبيرة، فلماذا نعود الآن إلى الوراء، وإلى وضع غير مقبول، ولا يفي أصلا بالمتطلبات والمقاييس الدولية في معظم محتوياتها؟ هذا ليس خياراً مستداماً بأي شكل من الأشكال!
إن قرار الحكومة بخصوص دمج و/ أو إلغاء المؤسسات الحكومية، وأخص هنا وزارة البيئة، معناه أن جميع الأسباب الموجبة التي وضعت بشأن قانون حماية البيئة وإنشاء وزارة البيئة في العام 2003، والذي أقره البرلمان في العام 2006، لم تعد صالحة لهذا الزمن؛ فماذا حصل؟ والآن، تطلب الحكومة من وزارة البيئة تبرير وجودها. وإذا لم يكن هناك قناعة لدى صانعي القرار، فعلى الوزارة العودة إلى ما كانت عليه سابقا. وهنا يكمن الخطر الذي يلوح في الأفق، بفقدان وزارة البيئة قدرتها على التنافس مع غيرها من الوزارات في البلدان النامية للحصول على المنح والمساعدات. إذ إن القرار المعني يبعث رسائل سلبية إلى الجهات المانحة الدولية، تفيد بأن قضايا البيئة لم تعد تحظى بأية أولوية في الأردن. ويعد هذا الأمر بالغ الخطورة على البلاد على الصعيدين الدولي والإقليمي.  كما أن هناك أيضا بعض المشكلات التي تتعلق بتوقيت القرار، والذي جاء متزامنا مع تخصيص الأموال من قبل منظمات التمويل الدولية لمعالجة قضايا تغير المناخ، إذ يتنافس العديد من البلدان النامية على الحصول على "قطعة من الكعكة".
لماذا لا نأخذ هذا الأمر على محمل الجد، وننظر إليه بشمولية، مع إعطائه الاعتبار والتفكير الذي يستحق؟ فعلى مستوى توجه السياسات والاستراتيجيات والبنى الهيكلية الوطنية، فإن الأجندة الوطنية التي حظيت بمباركة جلالة الملك عبدالله الثاني، والتي تشكل خريطة الطريق لعمل الحكومة، كانت قد أوصت بتعزيز وتقوية مكانة وزارة البيئة، وليس دمجها في أطر مؤسسية من شأنها إضعاف دور الوزارة وتقليل الاهتمام بها. أما بالنسبة للمنظمات غير الحكومية الوطنية المتعددة العاملة في مجال البيئة، فأقول لها: "انتبهوا! فقد تزداد مهمتكم صعوبة في ظل غياب وزارة مستقلة للبيئة".
وفي الختام، أناشد جميع الأطراف المعنية بجدية وإخلاص، إعطاء هذه القضية الوطنية الحيوية اهتماماً أكبر، وعدم التهاون لأجل مكاسب قصيرة الأجل تؤدي إلى التضحية بسلامة البيئة الأردنية. وقد تكون تبعات تنفيذ قرار تقليص دور وزارة البيئة كارثية لبيئتنا ونظامنا البيئي الهش. فالثمن الذي سندفعه نحن والأجيال القادمة، يتجاوز منافع لحظية وهمية. ونحن بحاجة إلى تقييم المخاطر الناجمة عن أفعالنا، كما أعمال وتصرفات نظرائنا، من أجل أردننا الحبيب.
*وزير البيئة الأسبق

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »اللي ما يعرف الصقر ... يشويه (سمير حوراني)

    الاثنين 3 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    الي أبو سفيان وأبو راكان ليس عليكم لوم , اذا كان رئيس الوزراء لا يعلم قيمة وزارة البيئه!!! "أيستوي الذين يعلمون والذين لايعلمون"؟؟
  • »نظره بيئيه سليمه (اردنيه)

    الأحد 2 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    نعم معالي الوزير معك حق وشكرا لبعد نظرك وياريت يتحلي اصحاب القرار ببعد النظر حتي لا نواجه موقفا صعبا بالمستقبل القريب
  • »قرار ليس في محله (مراد بينو)

    الأحد 2 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    ان وزارة الشوون البلدية والقروية غير كفؤة حاليا لادارة شؤون البيئة وهنالك تعارض في المصالح بينها وبين مسؤلية حماية البيئة.
    ان تنفيذ مثل هذا القرار المقترح علي عجل يتوقع ان تكون له عواقب وخيمة واقول هذا كوني كنت اترأس الفريق الذي وضع مسودة قانون البيدة في اعوام ١٩٩٢ وخلال عملي بالجمعية العلمية الملكية وكانت التوصية بانشاء هيئة للبيئة مرتبطة برئيس الوزراء
  • »نعم لوزارة البيئة (خالد الشبول)

    الأحد 2 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    اصاب الدكتور ياسين الخياط كبد الحقيقة في استعراضه لموجبات الابقاء على وزارة البيئة باعتباره احد الذين اطلو على المشهد البيئي ووقف على حجم الدور الكبير المنوط بوزارة البيئة داخليا وخارجيا
  • »لم يبقى الا هوائنا لافساده (ام عامر)

    الأحد 2 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    نعم الاردن نظيف وأخضر وجميل .. متخذي القرارات المتخبطة والتي اوصلتنا الى ما نحن عليه الان هم نفسهم من يتخذ هكذا قرارات اعتقد وكما تفضل الوزير باهمية هذه الوزارة للحفاظ على بيئة نظيفة وصحية ولا اظن ان هذه الوزارة هي سبب عجزنا المالي ولكن هو عجز في ادارة هذا البلد من قبل من لا يصلحون للادارة وهذا شأن معظم وزاراتنا .
  • »ماذا فعلت (ابو سفيان)

    الأحد 2 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    خلال عشر سنوات وما قبل والوضع لم يتغير لا نشاط للوزاره ولا شيء يلمس على ارض الواقع التلوث يزداد والمخالفات ايضاً في تزايد انظر الى الرقع الخضراء كيف تتقلص والتربه والغبار المتطاير من المقالع والفوسفات انظر الى الصرف الصحي الذي لم يكتمل الغطاء الأخضر الذي سمعنا عنه لم ينجز بل التصحر هو الغالب والظاهر ولماذا لا يقوم الموظف بعمله كان في وزارة البلديات او وزارة البيئة العمل واحد والهدف واحد نحن دولة الوزارات الغير مجديه والغير فاعله انا مع الغائها ودمجها
  • »بيئة نظيفة ..و مواطن طفران (ابو ركان)

    الأحد 2 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    قبل الاهتمام بالبيئة علينا الاهتمام بتأمين قوت للمواطن المنهك , وعندما نصل الى مرحلة سد نوافذ الفقر عندها نسعى الى الاهتمام بالشجر والحجر , اما بقاء هيئات ووزارات ومؤسسات مستقلة تستهلك ميزانية الدولة فهذا ترف لا داعي له بالوقت الحاضر.
  • »نعم لوزاره البيئه (feras)

    الأحد 2 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    جاوب يا نسور 
    شكرا معالي الوزير لقد وضعت النقاط على الحروف وفضحت قررات الحكومه المتخبطه ٢٠٠ ميلون