محمد أبو رمان

العبور!

تم نشره في الاثنين 26 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 03:00 صباحاً

تتجاوز تداعيات ما يحدث في مصر اليوم (على إثر الإعلان الدستوري الذي يحصّن قرارات الرئيس محمد مرسي، وإقالة النائب العام، وما تبع ذلك من اعتصامات واحتجاجات وحروب شوارع بين مؤيدي الإخوان وخصومهم في عدة مدن، وإحراق مقرّات حزب الحرية والعدالة) الساحة المحلية هناك إلى العالم العربي بأسره، الذي يخوض غمار اللحظة التاريخية الراهنة نفسها.
وإذا كان عنوان الصراع هو "الإعلان الدستوري"، فإنّ الموضوع الحقيقي له يتمثّل في الصراع بين القوى الإسلامية والعلمانية (سواء كانت ليبرالية أو يسارية أو قومية)، ومعها القوى المسيحية. وربما يبدو ذلك جليّاً في حالة الاصطفاف والاستقطاب القائم حالياً هناك؛ إذ يقف الإسلاميون جميعاً في خندق واحد، من أقصى الاعتدال؛ حزب الوسط وعبدالمنعم أبو الفتوح، إلى السلفيين والجماعة الإسلامية، في مقابل العلمانيين من الليبراليين؛ عمرو موسى ومحمد البرادعي وعلاء الأسواني، إلى فلول النظام السابق، في الخندق الآخر. وكلّ يبرر موقفه بالتذرع بحماية الديمقراطية والثورة! القضية ليست محصورة بالإعلان الدستوري، إذ يمكن قراءته على وجوه عدّة، لكّنها السؤال الأكثر أهمية وحساسية وخطورة في المرحلة الحالية؛ وهو سؤال دور الدين في المجال العام، أو صراع الأيديولوجيات العلمانية والإسلامية. ويتجه الجميع إلى تعميق الصراع السياسي وتأجيج المخاوف المتبادلة، بدلاً من محاولة الوصول إلى تفاهمات عميقة تجيب عن الأسئلة المهمة والحيوية، وتمنح "ضمانات" لحماية الديمقراطية وأسسها وشروط نجاحها في مواجهة محاولات الانقضاض عليها من القوى الراديكالية والمتطرفة، سواء كانت إسلامية أم علمانية!
من الإسلاميين من يعلن بصراحةٍ ووضوح أنّه لا يؤمن بالنظام الديمقراطي، بل بالآليات الديمقراطية -أي فقط الانتخابات- وأنّه يسعى إلى "إقامة الدولة الإسلامية" (كما يتصورها هو بالطبع). ومن العلمانيين –على الجهة الأخرى- من لا يريد رؤية الإسلاميين في المشهد، ولو قيّض له بقاء الأنظمة العفنة التي حكمت العالم العربي خلال الحقبة الماضية، لفضّل ذلك على وصول إسلاميين إلى السلطة، ويدافع اليوم عن "صيغة متطرفة" من العلمانية ضد الحركات الإسلامية.
مثل هذه التوجهات المتطرفة المتبادلة إذا ما قُدّر لها أن تحكم المشهد السياسي في اللحظة الراهنة، فهي بالضرورة ستقود إلى صدامات ومناخات مأزومة، وستعطّل التحول نحو الديمقراطية المطلوبة. ولا يمكن لوم طرف واحد، فالكل شريك في الأخطاء، وتحديداً القوى المعتدلة أو البراغماتية من الطرفين، والتي كان ينبغي عليها أن تفكّر في عواقب هذا الصراع وخطورته، وتبحث عن "أرضية مشتركة" وتوافق على تقديم تنازلات، بدلاً من "ليّ ذراع" الطرف الآخر! مقارنة المشهد المصري بما يحدث في كلّ من تونس والمغرب اليوم تمنحنا أفقاً أفضل للملاحظة. ففي هاتين الدولتين، اتجه حزبا النهضة والعدالة والتنمية إلى عدم الانفراد بالسلطة، وإلى تشكيل ائتلافات واسعة وكبيرة مع القوى السياسية الأخرى. إذ في تونس لم يتعنّت "النهضويون" في جمعية كتابة الدستور، وفي المغرب لم يقفز "الحرية والعدالة" إلى تطبيق بعض أحكام الشريعة. وبرغم أنّ كلا الحزبين من مدرسة الإخوان المسلمين وامتداد لها، إلاّ أنّهما أثبتا بصورة جليّة أنّ إخوان المغرب العربي أكثر تقدماً وحنكة من إسلاميي المشرق عموماً.
صحيح أنّ التيارات السلفية أعلنت الحرب السياسية على هذين الحزبين، واتّهمتهما بالتخلي عن المشروع الإسلامي، إلاّ أنّهما تمكّنا من السير السلس الهادئ نحو إنجاز التجربة الديمقراطية، بما يفيد الشعوب والمجتمعات، ويعلي الشأن الوطني على المكاسب الحزبية في "مرحلة انتقالية" حسّاسة. "العبور" من هذه اللحظة التاريخية يتطلّب قدراً كبيراً من الحكمة والتوافقية الوطنية؛ فإمّا أن ينتقل بعض الدول إلى مصاف الديمقراطية ويتجاوز الوضع الراهن المأزوم، وإمّا أن يرتد إلى أسفل سافلين؛ إلى عصور الطوائف والصراعات الداخلية والحروب الأهلية!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لا جديد تحت الشمس (ابراهيم أمين)

    الاثنين 26 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    مقالة السيد أبو رمنان منطقية ولكنها تأت في زمن ليس المنطق ما يشغله وإنما الممكن. والممكن هنا ليس من جانب الحق والخير والمصلحة العامة وأنما من ناحية الإنانية ولي الذراع. إذا كان رب العزة"جل جلاله" أعطى للإنسان حق الإختيار في الحياة الدنيا ولكنه ربطه بنتيجة ذلك الإختيار القسرية في الآخرة, ألا يوازي ذلك سن قوانين حرية شخصية تقودها ديموقراطية للجميع مقابل قوانين عقوبات صارمة ولكن عادلة "بعد" الممارسة؟ تطببق على الجميع؟أرى أن الأمر حتى من وجهة نظر دينية بحتة لا ينبغي أن يصل لحالة "فرض ما أرى!" على الأخرين. الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه"صدق رسول الله" ألا ينبئ ذلك بأن اليسر من الدين , بل جوهر الدين. لم أقرأ في ديننا أو عن ديننا ما ينبئ بالإكراه والعنف والإلزام في العبادة. من أين يأت المتزمتون؟ والأن عودة لعنوان التعقيب. الديموقراطية نبتة طرية شديدة الحساسية حتى مع توفر العناية الفائقة لخدمتها. لذلك يبين التاريخ أنه حتى أعتى الديموقراطيات التي نحسدها اليوم على ما تتحلى به من حرية شخصية، مرت بأوضاع الدكتاتورية بأنواعها ولفترات طويلة قبل أن تتفوق على دكتاتورياتها وتهزمهما. ومع ذلك ما تزال الدكتاتورية تطل برأسها لتلك الأمم كلما مكنتها تقلبات الحياة من ذلك. وهذا ينطبق على الشعوب أيضا. فالإنتهازية صفة وجدت لتبقى, مع الأسف, فهي من حقائق الحياة لأنها من امتحانات الجنة والنار الرئيسية. ومع ذلك تفاؤلي لاحدود له. سوف تنتصر هذه الأمة العظيمة على ظروفها وتتبوأ مكانها تحت الشمس حيث ينام الحاكم في ظل شجرة دون أرتال من الذائدين عن عنقه سيوف الغدر. فقد مهد الأرض لزرع مختلف , زرع طيب ,قبل أن يذهب في قيلولته!
  • »الحقيقة التي لا يريدون تقبلها (مهموم)

    الاثنين 26 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    الحقيقة ان الليبرالين والعلمانيين واليساريين والقوميين في مصر "كنخبة سياسية" منفصلة عن قواعدها الشعبية "هذا ان كان لهم قواعد اصلا" ويدركون ان وصول الاخوان للحكم سوف يبقيهم في الحكم عقودا طويلة لاسباب موضوعية هي:
    1. الاخوان ذممهم نظيفة
    2. استلموا مصر خربة وسيحولونها الى قلعة اقتصادية.

    لاحظ ان القواعد الانتخابية للاسلاميين في تركيا حاليا لا تقتصر على اتباعهم بل تمددت الى العلمانيين ايضا . لانه عندما يكون الحاكم كفؤ ويعمل على ازدهار البلد والاقتصاد فانه من الطبيعي ان تنتخبه خصوصا اذا كانت لك تجربة مؤلمة مع الفساد والفقر

    لهذه الاسباب يدرك العلمانيون في مصر ان وصول الاخوان الى السلطه هو ببساطة اقصاء لهم ولذلك ترى ان البرادعي "صاحب جائزة نوبل" يصطف الى جانب توفيق عكاشة "المصدي" !!!! زمن غريب عجيب
  • »ديمقراطيون ضد الاستبداد (يافا العجمي)

    الاثنين 26 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    أظن أن البقاء عند ثنائية الاسلام السياسي والعلمانيين هو قراءة قاصرة للربيع العربي وبعده، فالثنائية اليوم هي القوى غير الديمقراطية في مواجهة القوى غير الديمقراطية (المستبدة). ثورة 25 يناير جاءت ضد حسني مبارك والحزب الوطني والتوريث بغض النظر كيف يوصفون أنفسهم، ونفس الأمر قد يتكرر مع مرسي والأخوان المسلمين لو أصروا على الذهاب إلى الاستبداد والانقلاب على الديمثراطية. لا أفهم ما علاقة الاسلام (أو أي دين سماوي) بتركيز السلطات في يد الحاكم ووضعه فوق القانون؟ وصف علماني يصعب فهمه خارج التجربة الأوروبية والتخلص من نفوذ الكنيسة (فصل الدين عن الدولة) فنحن ليس لدينا كهنوت مثل العصور الوسطى في أوروبا وإن كان هناك من يدعو لذلك؛ اليوم هناك قوى ديمقراطية وقوى غير ديمقراطية وأظن أن حركة الأخوان المسلمين ما زالت رجل لها هنا ورجل هناك ولم تحسم أمرها وهنا المشكلة. لا أظن أن أبوالفتوح أيد خطوة مرسي وسأكون مستغربة جداً لو فعل، فهو قد حسم موقفه من مسألة الديمقراطية. من انقسام السودان إلى انقسام فلسطين إلى انقسام الحزائر إلى انقسام العراق... على الأخوان المسلمين أن يتعظوا من التاريخ ويتعلموا من التجربة التركية. قرار مرسي لم يؤثر فقط في مصر وإنما علينا نحن، فأنا اليوم أنظر بعين الشك إلى مقاصد الأخوان في الأردن وأجد صعوبة في الالتقاء معهم على ملف الاصلاح. على مرسي أن يتراجع قبل "خراب مالطا" وقبل أن يساهم في إرباك الاصلاحيين في الأردن.