محمد أبو رمان

لا تفرحوا كثيراً

تم نشره في الأحد 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 03:00 صباحاً

أطرف ما في المشهد السياسي والإعلامي العربي الحالي هي القراءة التي يتحفنا بها كتّاب وإعلاميون وسياسيون يهللون ويزغردون وينتشون عندما يرون أي حالة فوضى أو عنف أو اختلافات داخل الأنظمة الديمقراطية الجديدة، كما يحدث في مصر وتونس والمغرب وليبيا، أو تلك التي تسير في هذه الركاب، كما هي الحال في سورية!
الرواية التي تطير بها تلك الصحف والفضائيات أو أحاديث المسؤولين من هذه "الملّة"؛ ألم نقل لكم؟! تريدون الديمقراطية، هذه هي النتيجة؟ الإخوان والسلفيون سيحكمونكم باسم الإله! أو ستنعدم نعمة الأمن والاستقرار، وستقفون على أطلال الأيام الخوالي.
هذه الحملة الدعائية ليست بجديدة، فهي ما قبل الثورة (إما نحن أو الفوضى والجوع)، من الأنظمة نفسها، وبدأ التيار الرسمي العربي، الذي يخشى من وصول رياح التغيير إليه، يعزف عليها منذ انتصار التجارب الجديدة، فيتم تضخيم أي اشتباكات تقع في تونس وخلافات في مصر، أو احتجاجات في المغرب، ويصل الأمر إلى درجة أكثر تطوّراً باحتضان أحد أعمدة النظام المصري السابق أحمد شفيق، ودعمه ليفوز، واستقباله والاحتفاء به عندما يخسر في الانتخابات، بل وبدعم كل ما يمتّ إلى النظام القديم في الأنظمة الديمقراطية، من سياسيين وصحف ومجلات وتيارات.
المفارقة تبدو أكثر وضوحاً وهزليةً في الموقف من الثورة السورية؛ فهذا التيار الرسمي، بسبب العداء الأيديولوجي والسياسي والتاريخي المزمن مع هذا النظام، يقف أغلبه مع دعم الثورة السورية؛ لكنه في الوقت نفسه يستثمر المشهد السوري، ليخوّف من الثورة وتداعياتها ونتائجها، ويذكّر بنعمة الاستقرار والأمن في تلك الدول!
ما شهده ميدان التحرير يوم الجمعة، والتداعيات المستمرة ضد الإعلان الرئاسي الذي أصدره الرئيس محمد مرسي، نزل على هذا التيار كأنّه "هدية من السماء"!
بغض الطرف عن الإعلان الدستوري، وما يمكن أن يثار حوله من اختلاف وخلافات، وما له وما عليه، إلاّ أنّه لا يشير بأيّ حال من الأحوال إلى أنّ الجماهير تطالب بعودة حسني مبارك أو النظام القديم، أو تحنّ إليه! كما يهمس مسؤولون عرب اليوم!
لو فكّروا قليلاً بهذه الحملة الإعلامية والسياسية الهائلة سيجدون أنّ النتيجة عدمية! وهي أنّنا شعوب لا تستحق الديمقراطية، ولا بد من استمرار الأنظمة الدكتاتورية والحكم المستبد، والحفاظ على النظام القديم، لأنّ البديل هو الصراع الداخلي أو الإخوان أو الحروب الأهلية؟
هي نتيجة مضحكة فعلاً، وتثير الأسى! إذاً لماذا تثور الشعوب العربية اليوم، ولماذا دفعت الفاتورة الباهظة للثورات من دماء أبنائها وشبابها؟! وكيف تمكّنت هذه الشعوب قبل كل شيء من كسر ما هو أخطر من حديد الأمن والعسكر وجبروت السلطة؛ ألا وهي ثقافة الخوف التي عشّعشت في قلوب وعقول الشعوب العربية والمسلمة مئات من القرون، مدعومة ومسنودة بفتاوى فقهية وأمثال شعبية تكرّس الحاكم بوصفه إلها لا يسأل عما يفعل وهم يسألون!
من كان يتوقع أن تكون مسيرة الديمقراطية في العالم العربي منتظمة مفروشة بالسجاد الأحمر واهم، ولا يقرأ التاريخ ولم يطلع على الثورات الديمقراطية في العالم، التي شهدت تحولات ومراحل حتى استقرت على النظام الديمقراطي الحالي، وما تزال العملية مستمرة.
التحدي أمام الديمقراطية يتمثل اليوم في الاستقطاب الإسلامي العلماني، والمطلوب لتجاوزه تدشين مشروع وطني أوسع من هذه الخلافات الأيديولوجية، ومهما وصلت الاختلافات والانقسامات، فما هو مؤكّد أنّ ثقافة تكريس الاستبداد، التي شكّلت العمود الفقري لصناعة الدكتاتور في العالم العربي، قد دفنت تحت أقدام الثوّار، فلا رجعة، ولا تفرحوا كثيراً، لأنّ الطريق إلى المستقبل باتجاه واحد.. الديمقراطية. وما الجمهور العريض الذي يقف ضد الإعلان الدستوري اليوم ويدشّن المعارضة للرئيس مرسي، إلاّ تأكيد على ذلك؛ فهو يخرج لأنّه يريد حماية الديمقراطية ويخشى عليها، لا لعودة النظام القديم، فهو إصرار على هذا الطريق وليس تحويلة للوراء!

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الديمقراطية كخيار وحيد (احترام)

    الأحد 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    شكرا لاصرارك على الديمقراطية كخيار اخير للشعوب والحكومات مهما طال الزمن او قصر وارى المشهد في مصر جميلا لان هذا الشعب اصبح يقظا وينهض فورا للدفاع عن منجزات ثورته وضمان مسيرتها بالاتجاه الصحيح .
  • »مقال مميز (Sahar)

    الأحد 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    الظلم.. لا يبيد.. ما الحل؟
    -أن تحدث ثورة على الظلم؟
    نعم تحدث تلك الثورة.. يغضب الناس فيقودهم ثوار يعدون الناس بالعدل وبالعصر الذهبي، ويبدؤن كما قال سيد: يقطعون رأس الحية.. ولكن سواء كان هذا الرأس اسمه لويس السادس عشر أو فاروق الأول ، فإن جسم الحية، على عكس الشائع، لايموت، يظل هناك، تحت الأرض، يتخفى يلد عشرين رأساً بدلاً من الرأس الذي ضاع، ثم يطلع من جديد. واحد من هذه الرؤوس اسمه حماية الثورة من أعدائها، و سواء كان اسم هذا الرأس روبسيير أو بيريا فهو لايقضي، بالضبط، إلا على أصدقاء الثورة . و رأس آخر اسمه الاستقرار، و باسم الاستقرار يجب أن يعود كل شيء كما كان قبل الثورة ذاتها. تلد الحية رأساً جديداً. و سواء كان اسم هذا الرمز نابليون بونابرت أو ستالين فهو يتوج الظلم من جديد باسم مصلحة الشعب. يصبح لذلك اسم جديد، الضرورة المرحلية.. الظلم المؤقت إلى حين تحقيق رسالة الثورة. و في هذه الظروف يصبح لطالب العدل اسم جديد يصبح يسارياً أو يمينياً أو كافراً أو عدواً للشعب بحسب الظروف....." بهاء طاهر
    أتمنى فعلاً أن تموت تلك الحية وتدفن وأن لا يصبح فعلاً طالب العدل هو عدو الشعب وعدو الاستقرار كما قال "بهاء طاهر"
    من أجمل ما كتبت د.محمد.
  • »شكرا جزيلا للكاتب (حسام)

    الأحد 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    سيدي الكاتب انت عبرت عما في قلبي. انه من الطبيعي ان تخرج المظاهرات للحفاظ على الديمقراطية و اتفق معك بشكل كامل عما ورد في المقال. و اقول للمزمرين و المطبلين على خراب العشش ان يرجعو للتاريخ و يقرأؤ عن الثورة الفرنسية و السلام
  • »كلام صحيح (ابو سامي)

    الأحد 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    اتفق معك اخي في مقالتك دون زيادة او نقصان
    تحياتي لك
  • »ارتداد العرب (نادر)

    الأحد 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    عندما ارتدت العرب بعد وفاة الرسول لم تعد الى عبادة الاصنام وانما ظهرت مجموعة من مدعي النبوة. وهذا ما يحصل الآن في مصر، في محاولة بعض من المرشحين الخاسرين للانتخابات ادعاء الثورة.
  • »قلم حر (اسماعيل يوسف)

    الأحد 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    أشارك الاستاذ محمد رأيه. فالدكتاتورية ولت ، ودفنت ، والى مزبلة التاريخ . وستبقى الحرية ، والمساواة ، والعدالة الاجتماعية ،هي الشعلة التي لن تطفأ. وسيكون غد أفضل ومستقبل مشرق للشعوب بإذن الله .
  • »حقا هي ثقافة الخوف، بل هي ثقافة الذل!! (فادي جميل نجم)

    الأحد 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    سلمت يداك اخ محمد... عسى أن تتحرر عقول البعض من الفتاوي المدسوسة وتأليه الحكام والخنوع المقيت الذي سيطر عليهم. لو تدرك شعوب الامة العربية مقدار الخير الذي ضاع عليهم ومقدار الشر والتآمر والتخلف الذي لحق بهم بسبب هذه الانظمة وهؤلاء الحكام لما بقي عربي الا وثار، ولما وجدت مدافع عن هذه الانظمة المقرفة.
  • »الصراع على الحرية لا من أجلها!!! (عمر الجراح)

    الأحد 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    أود أن أشير إلى نقطتين تعقيبا على المقال الرائع للدكتور أبو رمان و هما:-
    بلا شك و إذا تجاوزنا حالات الفوضى من اعتداء على متظاهرين أو إحراق مقرين او أكثر لحزب الحرية و العدالة، فإن التظاهر ضد الاعلان الدستوري ظاهرة صحية و علامة من علامات الحرية تسجل بقيمتها المطلقة للتجربة المصرية لا عليها ... معارضة لم يعجبها قرارات لرئيس الجمهوريه فنزلت تعبر عن ذلك.. بالمقابل رئيس شرعي منتخب يتعهد بحماية التظاهر و يطلق تصريحات مفادها أنه لن يستأثر بالسلطة التشريعية و ليس هو من عطلها او حاول تعطيلها، بل يحاول من خلال القرارات تسريع اعادة السلطة التشريعية الى مجلس منتخب و تسريع استصدار دستور حضاري و عصري صاغت معظم بنوده القوى المعارضه..
    أما النقطة الثانية والتي أراها إيجابية أيضا، و هي أن الصراع التقليدي بين قوى اليمين و قوى اليسار آخذ بالدخول إلى مرحلة جديدة و هذه ربما اكثر ايجابيات الربيع العربي. في مصر و غيرها من الدول و إذا استثنينا تجارب العمل العام البسيطة و التي لا تنفع لإطلاق حكم واقعي متجرد ( نقابات لجان عمل شعبي او اتحادات طلبه و حتى مجالس نيابيه غير حقيقيه فيها عدد من اليسار و اليمين للتجميل ليس أكثر) ، اذا استثنينا ذلك فإن التجربة الان مختلفه و ستفرض صيغ و تفاهمات و قبول حقيقي للاخر بين الاطراف. فكلنا لا ينكر ان الانطمة الحاكمة في مصر و منذ عهد عبد الناصر و ثم السادات لعبت سياسيا على سوء التفاهم و عدم الثقة و التهم التاريخية بين اليسار و اليمين، بهدف ضرب الاتجاهات ببعضها البعض خدمة لأنظمتهم المستبده، و استمر نظام مبارك بذلك مع ضرب كل الاتجاهات دون ادنى محاولة لتقريب اي منها. أظن أن التاريخ بما يحمل من أفكار شكوكيه بين الطرفين تصل الى التكفير او التطرف مرورا بالمسافة الممتدة بينهما سيطرأ عليه تغيير حتمي، اذ مجرد القبول من كافة الاطراف بصندوق الاقتراع سيعطي فرصة حقيقية لكل طرف ان يرى و يسمع و يشاهد الطرف الاخر في سدة الحكم، سيعارضه ربما و بشده و لكن هذا لم يكن ممكنا بالمطلق من قبل و هذه ستكون فرصة حقيقيه اذا كتبت لها السلامه في ان تضع جانبا كثيرا من الاتهامات التي تناقلتها الاطراف ( تكفير تطرف و ما بينهما) و نقلتها لافرادها ايام الاجتماعات السريه تحت الارض!!
    في الختام ندعو لمصر ان يجنبها الله الفتنه و نتمنى أن يعي اطراف الصراع اليوم في مصر ان كل الشباب العربي المتعطش للحرية ينظر لهم بأمل...
    شكرا دكتور على المقال المميز.
  • »ليس فرحا او حزنا العبرة في النتيجة (حمزة نبيه)

    الأحد 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    المتتبع لما يجري من احداث منذ ما سمي بثورة الياسمين ومرورا بما سمي بثورة يناير وماجرى في ليبيا او اليمن واخيرا ما يجري في سوريا يجد المتتبع ان هناك خطأ ما وان تصوير ما يجري بانه نصر عظيم ونقلة نوعية انما هو قراءة خاطئة بدليل ان شرخا كبيرا حصل في تونس بين الاسلاميين انفسهم وبينهم وبين بقية فئات المجتمع ولا تزال احكام الطوارئ مستمرة ولايزال شبابهم يغرقون يوميا قبالة جزيرة لامبدوزا بحثا عن العمل وهروبا من الواقع اما مصر فانها دخلت في حلقة مفرغة وانقسم الناس فيها الى ثلاثة اقسام اتباع الثورة من العلمانيين ضد الاسلاميين صراحة وكلا الطرفين في مواجهة الفلول ولم يتغير اي شيء اقتصادي في مصر الى الاحسن ابدا لابل ان موقف المصريين في الخليج اصبح مقلقا وكذلك الامر في ليبيا فاما ذل في الخارج او جوع في الداخل اما ليبيا فلن تقوم لها قائمة بعد ان اصبحت مقاطعات بسودها قانون الغاب واصبحت البلاد اسيرة لجلاديها في استعمار جديد اما اليمن فقد اصبحت تتسول الدواء والغذاء لابنائها وليس هناك من يجيب واخيرا ومع الدعاء لاهل سوريا المستضعفين فقد اصبحت اعراضهم للبيع امام الدول التي تدعي دعمهم من خلال الرقيق الجديد عدا عن عشرات المليارات من الخسائر في البيوت والشركات في هذه الدول فقد خسرت مئات الالاف من افرادها بين قتيل او جريح واخيرا وبدون تحليل او فرض اي وجهات نظر فاحيلكم الى مائة واربعة احاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم تبين للمسلمين ما يمكن ان يفعلوه لا بل ما يجب ان يفعلوه حيال الحاكم سواء كان عادلا او ظالم سواء سرق او لم يسرق ولنا في رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الاخر وهذا رابط لتلك الاحاديث المائة واربعة وكلها صحيحة

    http://assawsana.com/portal/pages.php?newsid=125880
  • »أسوأ تلامذة التاريخ (يافا العجمي)

    الأحد 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    من أروع وأهم ما كتبت أستاذ محمد. هؤلاء يبدو أنهم لا يدركون أن ما حدث في مصر وتونس، على سبيل المثال، ما كان ليحدث لولا استهانة تلك الأنظمة بالشارع وبالشعب وتطمين أنفسهم بتخويف الناس واللجوء إلى وسائل عفا عليها الزمن. وهذا يذكرني بما فاله دولة الخصاونة لمجلة الايكونوميست بعد استقالته "إذا ظنوا أن ما يسمى الربيع العربي انتهى وأنهم قادرون على العودة إلى الطرق القديمة، فإنهم بهذا التفكير يمثلون أسوأ تلامذة التاريخ." انظروا أين نقف اليوم في الأردن بسبب تجاهل تحذير الخصاونة! الشارع في العالم العربي يمتلك اليوم أجندة (خبز حرية كرامة إنسانية) ويمتلك وسيلة جماهيرية ناجعة (الاحتجاج السلمي أو المقاومة اللاعنفية التي تتسع للجميع). الأكيد أيضاً أن الأخوان المسلمين هم الذين يحاولون اللحاق بتلك الأجندة وبذلك النموذج وأي تقاعس أو انقلاب من قبلهم هم وحدهم سيدفعون الثمن وسيسقطون في اختبار الشعب والديمقراطية. القطار أقلع ومن ينكر ذلك ويستهين به قد يجد نفسه يقف على السكة في مواجهة قطار لن يتوقف! صوت مقالك صوت العقل والضمير الذي يجب أن ينصت إليه الأخوان المسلمون والقرار الرسمي.