د.باسم الطويسي

هل سؤال الخيارات الاقتصادية-الاجتماعية مطروح أردنيا؟

تم نشره في السبت 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 03:00 صباحاً

بعد الانكشاف السياسي والاجتماعي الذي أبرزته الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تشهدها البلاد حاليا، وبعد أن وصلت هذه الأزمة حد تهديد الأمن الاجتماعي، يبرز السؤال القديم مجددا: هل يملك المسؤولون الجرأة لطرح الخيارات الاقتصادية–الاجتماعية للدولة على الطاولة، كما كانوا جريئين مع مواطنيهم حينما حملوهم فاتورة سياسات خاطئة ومشوهة؛ هل يملك هؤلاء المسؤولون ذات الجرأة مع ذاتهم ومع مؤسسات المجتمع الدولي، أم أن معضلة الاقتصادي-السياسي التقليدية ستبقى هي المهيمنة؟
منذ ولادة النظام السياسي الأردني قبل تسعة عقود، اتخذ منهجا اقتصاديا ليبراليا محافظا؛ أي أبقى على دور ما للدولة في السوق. حدث ذلك وسط نظم سياسية قليلة في المنطقة غير متحررة سياسيا، لكنها في الأغلب اعتنقت الليبرالية الاقتصادية. ورغم التشوهات المبكرة، وأهمها إبقاء الاقتصاد يتنفس بالمساعدات على حساب بناء قاعدة إنتاجية اجتماعية، فإن هذه الصيغة حافظت على نفسها وعلى التماسك الوظائفي بين الدولة والمجتمع، وأبقت على تشوهاتها، بعد تغير معظم النظم الاقتصادية العربية المحيطة إلى سيطرة الدولة شبه المطلقة، إلى أن وصلت (الصيغة) إلى النقطة الحرجة في نهاية الثمانينيات، والتي كانت تعني عمليا أننا لا يمكن أن نستمر طويلا بهذا المنهج.
كانت الوصفة الجاهزة ليست بالهجوم المعاكس والمراجعة الشاملة، بل بالهجوم بذات الأسلحة التقليدية نحو المزيد من الاندماج في الاقتصاد الدولي، والمزيد من الذوبان لاقتصاد صغير. وإذا كانت الصيغة التأسيسية قد صمدت سبعين عاما، فإن الصيغة التالية، كما نشاهد اليوم، لم تصمد أكثر من عشرين عاما.
هناك مراجعة واسعة للقيم والسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي برزت منذ التسعينيات من القرن الماضي، وبدأتها مدرسة شيكاغو الشهيرة قبل ذلك بسنوات. وهي مراجعات لا تقتصر على المستوى الأكاديمي والنظري، بل تطاول أعتى المؤسسات الرأسمالية في العالم، وفي مقدمتها البنك الدولي. ويتمثل ذلك في سياسات الرعاية الاجتماعية، وحدود تدخل الدولة وأدوارها، وتنظيم الأسواق الحرة، وسياسات الضرائب وإعادة توزيع الثروة، والسياسات الحمائية، وفرضية القيمة في تحديد الأسعار، والمشاريع الصغيرة ذات المضمون الاجتماعي مقابل المشاريع العملاقة.
الآن، تأكد العالم، وبالتحديد في الأسواق الصغيرة، من مدى الحاجة الى صيغة تنظيمية تحمل روح المسؤولية والتزاماتها القانونية في مسار الأسواق الليبرالية، وإلا ستكون النتيجة المزيد من الحراك الاجتماعي السلبي، والمزيد من الإفقار وسوء توزيع الثروات، والمزيد من الاحتكارات؛ وبالتالي هيمنة مطلقة من سوق مشوهة على الدولة والمجتمع معا.
الأنموذج المستقل في الاندماج الآمن في السوق الليبرالية العالمية هو الأنموذج الذي يبدع أفكاره وسياساته حسب حاجاته وقدراته، وفق منظوري الاقتصاد السياسي والسياسات الاجتماعية. وبهذا تنطلق أدوار الدولة في ثلاثية الأمن والرعاية الاجتماعية والتنظيم، ولا تكتفي بدور المتفرج ووظيفة حماية السوق وحدها. لنأخذ، على سبيل المثال، سياسة الدعم ببعدها الاجتماعي، والتي آن الوقت أن تقوم على أساس فهم جديد يرتبط بدور الدولة كضامن للأمن الاجتماعي والاستقرار السياسي. فسياسة الدعم هي في المحصلة ضمانة سياسية واجتماعية، ولا توجد دولة في العالم لا تقدم الدعم. وسياسة الدعم يجب أن لا تعتمد على فكرة أن الدولة لا يجب أن تقوم بدور الجابي والتاجر، بقدر ما تقوم بدور الضامن للأمن الاجتماعي وللاستقرار السياسي. ويخدم الدعم في النهاية أهدافا سياسية اقتصادية واجتماعية. البقرة في أوروبا تحظى بدعم يومي قدره 2.5 دولار، وفي اليابان تحظى بـ7.5 دولار يومياً، أما الولايات المتحدة ذات الاقتصاد الحر فتدعم مزارعيها. وفي أوروبا يشكل الدعم الزراعي 30 % من قيمة الإنتاج الزراعي النهائي.
ان التقاليد الليبرالية التي أنشئ عليها المجتمع الأردني، وتمأسست من خلالها الدولة، تتعرض في هذا الوقت لاهتزازات عميقة، لا يدري أحد الى أين تمضي في ضوء الاقتصاد السياسي المحلي وارتباطاته الإقليمية، والعين على مسارات التسوية السياسية للصراع العربي-الإسرائيلي التي ستدخل حتما في هذا السياق. فالمراجعات السياسية وحدها ستبقى ناقصة ومحدودة الأثر إذا لم تصاحبها مراجعات للخيارات الاقتصادية من منظور السياسات الاجتماعية والاقتصاد السياسي المحلي وأبعاده الإقليمية والدولية، ومن منظور الاستقرار والأمن الاجتماعي.

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الحل بدراسة الحالة من كل جوانبها ومخاطرها (ابتسام حرما)

    الأحد 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    لاشك ان هناك سياسات فاشلة للدولةاولا عدم حماية اموال الدولة ثانيا الهدر ثالثا لم تقم باستثمار الاموال وتحويله لمشاريع انتاجية وتشغيل الشعب كي لا يبقى معتمدا على الدولة
    لكن هناك ترف وتبذير عند فئات من الشعب لايتناسب مع قدرات البلد من استيراد واستقدام عاملين مع ذلك لا نسمع شيء عن ترشيدالاستهلاك والتوفير لأنها حكومة جباية والحل يحتاج لمؤتمر وطني يدرس الحالة من كل جوانبها ومخاطرها لا لفرد متفرد بالقرار
  • »المهم هو الهدف! (د.خليل عكور-السعودية)

    السبت 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    السلام عليكم وبعد
    نماذج الاقتصاد الناجح متعددة مع اختلاف الاساليب وانظمة الحكم في الدول الناجحة من الاشتراكية- الديموقراطية او الديموقراطية الحرة...الخ من المسميات وهي ناجحة لان هدفها بالاساس هو خدمة المواطن ومصلحة البلد فلو وضعنا كل الخطط الناجحة علميا والمجربة عمليا لا يقيم وزنا للمواطن ولا مصلحة البلد مع مسؤليين اما فاسدين او جاهلين فالنتيجة واحدة وهي الفشل الذريع والدمار للبلد وهذا في اعتقادي هو جوهر الموضوع-الولاء للوطن والتفاني لخدمته تأدية للامانة عندها يصبح النجاح نسبيا وينطبق عليه مبدا الصح والغلط في الاجتهاد.
  • »التقليلد وابداع النموذج الاقتصادي (ميسون)

    السبت 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    نحن بحاجة ماسة الى مراجعة منهج الاقتصاد السياسي الأردني مراجعة جدية قائمة على بعد النظر والعمق والخصوصية، حتى التجارب التي نجحت في اطار الرأسمالية جديدة هي مختلفة وكل نموذج له خصوصيته مثل النموذج التركي الاخير الذي حقق واحد من اعلى معدلات النمو او النموذج الماليزي
    علينا ان نبحث عن ذاتا ، شكرا للدكتور الطويسي الموضوع عميق و التحليل دقيق وعلينا الاستفادة من تجارب الاخرين دون ان نقلدهم
  • »شئنا ام ابينا سنلتهم الطبخة الامريكية ، والتي طبخت على نار هادئة (د. عبدالله عقروق / بيروت مؤقتا)

    السبت 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    مقالك يا د. باسم في منتهى المصداقبة.فيه معلومات بين السطور ، ... أريد أن اقول جملة ، وأمري لله . الفقر عندنا مقصود من قبل الحكومات المتعاقبة في نهاية الثمانيات .الغلاء في المعيشة مقصود ايضا ، والدعم الحكومي لم يكن لصالح الشعب ، بل لألاعيب البنوك الدولية ، ومخططاتهم الاستعمارية البعيدة الأمد . والصرف والنهب الذي حصل بالدولة كان مقصودا وبعمد من قبل ثلاثة مدراء مخابرات العامة تم ايقافهم عن العمل .هذا كله اوصلنا لحالة اجتماعية واقتصاديه أن نرفع العلم ، ونقول للدول الكبرى ، بقوا البحصة من افواهكم ، واعلنوا ما هو مخططكم الاقتصادي للاردن .نحن الأن في وضع مؤلم لدرجة ان الوقت يسمح لنا لنبق البحصة من افواهنا ونقول بأننا سنقبل بأن تخلو المخيمات الفلسطينية من الدول العربية ليستقروا في الاردن .فحال قبول الاردن هذا العرض ستنهال الدولارات لتدفع كل ديوننا ، والعجز في الميزانية ، والقضاء على الفقر والغلاء
  • »اقتصاد في بيئة ديمقراطية هو ما يريده الناس (خالد القدسي)

    السبت 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    النظام الافتصادي في الدول الاسكندنافية اشتراكي-ديمقراطي وفي ألمانيا رأسمالي-ديمقراطي، على سبيل المثال، ويجمعهما رغم ذلك حكومات منتخبة واعلام حر وآليات للشفافية والمحاسبة وسيادة القانون وقضاء مستقل إلى آحر صفات الدولة القومية الحديثة. وفي الحالتين هناك جامعات محترمة وحريات أكاديمية واقتصاد ديناميكي منتج، وفي الحالتين غالبية السكان هم من الطبقة الوسطى. لا أعرف ما إسم ونوع الاقتصاد عندنا ولكن الأكيد أن ليس لدينا طبقة وسطى واسعة ومعظم مكونات الديمقراطية والدولة الحديثة تعاني من خلل وبعضها غير موجود من أساسه. الطريقة التي يدار بها الملف الاقتصادي في بلدنا، ومشكلة الفساد، يجسدان غياب مكونات ديمقراطية أساسية والتي هي جوهر مطالب الناس الاصلاحية. الناس هنا يريدون أن يكون لهم رأي في الملف الاقتصادي وأن يكون هناك آلية فاعلة للشفافية والمسائلة. لا يوجد نظام اقتصادي في العالم يبرر الفساد. ولا يمكن لأي نظام أقتصادي في العالم أن ينجح عندما يكون المسؤولون محصنون أمام أخطائهم وفشلهم ولا يستطيع الشعب إزاحتهم ديمقراطياً عندما يفشلون.