محمد أبو رمان

"يوتوبيا الإخوان" الجديدة!

تم نشره في الجمعة 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 02:00 صباحاً

يجادل عالم الاجتماع العربي المعروف سعدالدين إبراهيم، بأنّ الإخوان أسرفوا خلال الثمانية عقود الماضية في تقديم وعود الحلول والخلاص للشعوب العربية، ووعدوها بفردوس لن تراه. وتقلّصت وعود الإخوان الأيديولوجية إلى خمسة أهداف قدّمها الرئيس الإخواني محمد مرسي، لتحقيقها في رئاسته، وتتمثّل في حل مشكلات المرور والقمامة والخبز والغاز والأمن. وهي مشكلات يومية واقعية يعاني منها سكان المدن الكبرى في مصر.
بالرغم من اختلافه مع الإخوان، والأسلوب التهكمي في المقال، فإنّ إبراهيم يعترف بأنّ الإخوان يتجهون نحو الواقعية السياسية. وهي ملاحظة دقيقة وصحيحة. وربما أكثر من ذلك أن هذه الأولويات والالتزامات تشق الطريق نحو أيديولوجيا جديدة للجماعة، تمثّل طوراً جديداً من أطوار الفكر السياسي الإسلامي.
إذا نظرنا خلال السنوات القليلة الماضية فقط، بل وحتى الفترة المحدودة التي وصل فيها الإسلاميون اليوم إلى السلطة (في حقبة الربيع العربي)، سواء في مصر أو تونس أو المغرب، فسنجد أنّنا عملياً أمام تطور نوعي بالالتزام بالعملية الديمقراطية واللعبة السياسية، وبتداول السلطة والتعددية السياسية؛ وهو ما يعني –ضمنياً- التخلي عن الشعار الإسلامي المعروف والمرفوع خلال العقود الماضية "الدولة الإسلامية". وحتى بالنظر إلى مشاريع الإخوان السياسية والاقتصادية، نجد تراجعاً وتقييداً كبيراً لموضوعة "تطبيق الشريعة الإسلامية"، بعيداً عن الحلم الأيديولوجي الذي استغرق الإخوان في العقود الماضية؛ من إعادة الخلافة الراشدة وإقامة حكومة إسلامية تحكم بالإسلام، وتخليّاً تامّاً عن فكرة التغيير الجذري، أو ما سمّاه فتحي يكن "الفكرة الانقلابية" في مشروع الجماعة.
ربما تكون هذه التحولات الضخمة المكثّفة زمنياً وفكرياً هي التي دفعت بالتيارات الإسلامية الأخرى، مثل جماعات سلفية وجهادية، إلى محاولة "ملء فراغ اليمين" في المشهد السياسي العربي، والدخول في صدام أو سجال مع الإخوان أنفسهم، بسبب ما اعتبرته هذه الجماعات "تنازلاً" عن جوهر المشروع الإسلامي.
خصوم الإخوان من علمانيين ويساريين، ينتقدون الإخوان أيضاً في مواقفهم الخارجية، ويرون في دور الوسيط الذي قامت به مصر، والتزامهم بمعاهدة السلام، وتسمية سفير في إسرائيل، مماثلا لما كان عليه دور مصر في عهد حسني مبارك. يتهمونهم (كذلك) بأنّهم يسيرون اقتصادياً على خطى النظام السابق، وأنّهم لم يغيّروا شيئاً من البرنامج الليبرالي، بل ستوقع الحكومة المصرية خلال الأيام المقبلة اتفاقاً مع صندوق النقد الدولي للحصول على قرض، ما سيرفع أسعار السلع.
هذه الانتقادات وإن كانت صحيحة في شكلها الخارجي، إلاّ أنّها في جوهرها قد تحمل بذرة تطورات مهمة ونوعية في خطاب الجماعة، ما ينقلها وينقل الدول والحكومات العربية نقلات نوعية؛ فالأيديولوجيا الإخوانية الجديدة تأخذ الآن بعداً واقعياً. وربما هذا يساعد على حل إشكاليات فكرية عميقة وعالقة حول علاقة الدين بالدولة.
رهان الإخوان اليوم يتمركز حول المواطنين، من خلال الحكم النظيف وحل المشكلات اليومية والنهوض بالواقع الاقتصادي والتنمية والالتزام بالديمقراطية والتعددية، وكذلك دور أفضل في السياسة الخارجية يأخذ منحى مستقلاً لا تابعاً للسياسات الغربية. هذه الأهداف والتحديات إن لم تبد كبيرة في عناوينها، كما كانت عليه الأفكار السابقة، إلاّ أنّ نجاح الإخوان فيها سيكون مرحلة تاريخية فاصلة، وسيشكّل الفرق الحقيقي بينهم وبين الحكومات السابقة التي أغرقت البلاد في حكم استبدادي فاسد داخلياً، وخانع تابع خارجياً!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الاعلان الدستوري (مرسي)

    الجمعة 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    هل كتب المقال قبل الاعلان الدستوري ليلة امس؟
  • »فرق بين السماء والأرض (علي)

    الجمعة 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    اية حزب منتخب يستلم السلطة من بعد دكتاتور عليه ان يتحمل عبئ التركة الأمنية والإقتصادية والسياسية والثقافية. المهم ان بوصلة الإسلاميين ليست بإتجاه التطبيع والعمالة السياسية والأمنية والثقافبة لأمريكا وإسرائيل ولن تدفعهم واقعيتهم لبيع الغاز المصري لإسرائيل وقبض الفرق في السعر في بنوك أجنبية في حسابات شخصية. هذا يعني انه مع الوقت سيتم تغيير طابع مصر لتكون اكثر قومية والى ان تكون مستعدة للإستقلال الكامل عن تركة الفلول التي اثقلت كاهل مصر والعرب. اما الفلول فهم فاسدون على كل الجبهات بل وحتى فرعونيتهم ملوثة لأنها جردتهم من الكرامة التي تغاضت عن إهانة كرامة المصري في بلاد الغربة وفي بلاده وتغاضت عن التناقض الوجودي بين مصر و إسرائيل حيث ان إسرائيل تملك الطاقات البشرية الكافية لإستبدال كل خبير مصري في الخليج بخبير صهيوني وكل ما تحتاج اليه هو إكمال مشروع التطبيع الذي وفرت مصر له غطاء. كل هم الفلول هو جمع الثروات على حساب الأمن القومي المصري.
  • »الاخوان ومنظورهم (مهموم)

    الجمعة 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    لا ننسى ان الاخوان تعتمد على القواعد الشعبية فهي تعمل على اصلاح الفرد لتتصل الى اقامة الدولة الاسلامية "برضى" الشعب. فعلى المدى الطويل هذا ما سيحدث. وسيعتمد الاخوان على انجازاتهم لكي يتم اعادة انتخابهم "تماما كما فعل الحرية والعدالة في تركيا" وسيبقون يتداولون السلطة فيما بينهم الى ان يظهر تيار اقدر منهم
  • »لكل من السلفين والجهادين وحتى الاخوان لديم اجندة امريكية (د. عبدالله عقروق / بيروت مؤقتا)

    الجمعة 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    المشاهد القريب من الاحداث المصيرية، والباحث الجيد والقاريء الممتاز ، يجد أن الأخوان المسلمين قد استبدلوا افكارهم بافكار رسمتها لهم الولايات المتحدة الامريكية، واهمهاعدم تطبيق الشريعة الأسلامية .فالعرب المسلمون ، والعرب النصارى فد قبلوا بالاخوان وحكمهم بعد ان خلعوا عباءة الشريعة الاسلاميه ، وارتدوا عباءة جديدة مزركشة تحمل تغيرات كثيرة ، أفرب الى العولمة ، والوضع الاجتماعي العام. ففي الاردن مثلا يحاول الاخوان المسلمون التظاهر انهم يسيرون بخط يغاير سياسة الدولة .في حبن أنهما منسجمان في كل شيء ، حتى بتهديدهم الهراءي ضد الدولة .فألأخوان في نهاية المطاف سيدخلون الانتخابات من ابوابها الواسعة ، بعد أن سجلوا اسماءهم ما يفارب على مئات الالاف من الناخبين .والأكثر أهمية انهم طوعون جدا لحكومة وشنطن .ولن يقدموا على شيء بدون موافقة الولايات المتخدة الامريكية ..أما بالنسبة للجهادين والسلفين فالأمر يختلف كليا.فبعد تحرير افغانستان ، عزمت حكومة الولايات المتحدة الامريكية بضمهم جميعا الى المخابرات الامريكية لخلق الجيش المرتزق الرهيب ، وأرسالهم لمحاربة الشعب الامن ، ولخلق الفوضى والعصيان .وألاهم من ذلك لمراقبة سير الأخوان عن قرب ، وضربهم عندما تشعر الولايات المتحدة الأمريكية ان مصالحهم تدعوا لذلك .