د.باسم الطويسي

السياسة المحرمة: هذا هو الثمن

تم نشره في السبت 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 03:00 صباحاً

ردود الفعل الغاضبة على قرارات رفع الأسعار انتشرت مثل النار التي تأكل الهشيم، وتأكل نفسها إذا لم تجده. وهي تؤكد، من جديد، أن هذا هو الثمن الذي ندفعه جراء سلوك أجيال من الحكومات حرّمت على الناس ممارسة السياسة، وانتزعت من الشعب حقه في أن يعرف، وحقه في أن يعبّر، وحقه في أن يرفض بطرق سلمية وديمقراطية محترمة. وإذ يقوم الناس بإحراق بضع إطارات في عرض الشارع، ويعتدون على بعض الممتلكات العامة في لحظة غضب، فلأن حواسهم عطلت في ملاحقة الفساد، وفي معرفة المصير الذي تُقاد إليه بلادهم طيلة عقود طويلة.
المفارقة أن إصرار النخب الحكومية مستمر في وصف الحراك الشعبي بأنه غير مسيس، وأن الغاضبين لا يحملون برنامجا سياسيا، اعتقادا من هذه النخب أن ذلك يحمل رسالة للعالم بأن الأمور وقتية وهبة غضب وتنتهي، ولا تدرك هذه النخب أن الرسالة الأهم ينتظرها الناس في الداخل، كما لا تدري أن السلوك العنيف بالتعبير عن المطالب، والذي لا يقره أحد، هو من صنع أيدي تلك النخب، وبفعل وصفاتها الجاهزة التي أنهكت البلاد وأغرقتها في الديون والاستجداء، وفككت البنى الاجتماعية والاقتصادية بدون أن تبني أي جديد، وأفرغت المجتمع من الأطر الحضارية والمدنية للتعبير السلمي التي تحفظ السلم الأهلي وتضمن التعبير الحر في أحلك اللحظات. لاحظوا الفرق في التعبير عن الأزمة الاقتصادية العاصفة التي نشهدها بالمقارنة مع ما تشهده في الوقت نفسه دول أوروبية، منها إيطاليا واليونان وبلجيكا وإسبانيا، عرفت إجراءات اقتصادية تقشفية وردود فعل غاضبة بدون الاعتداء على محكمة أو بلدية.
هذا ثمن وصول أفراد غير مؤهلين وغير مسؤولين إلى دفة صنع القرار في أكثر من مستوى؛ ثمن تفريغ المؤسسات العامة من الكفاءات، فلم تعد هذه المؤسسات تمثل للناس، في الكثير من الأحيان، سوى الآخر الذي لا هم له سوى تعقيد حياتهم. وهذا ثمن برلمانات مزيفة وغير جديرة بتمثيل المجتمع، وثمن تعطيل الحياة العامة وتفريغها من مضامينها، وتعطيل قدرة الأحزاب على ممارسة السياسة، وتحريم السياسة وكأنها شتيمة. وكذلك هو ثمن تفريغ الجامعات من الفعل الحضاري ومن الكفاءات الحقيقية، وثمن تحويل الإعلام الى زفة وسط مأتم كبير.
على مدى سنوات مضت، كانت الأزمة الاقتصادية تعصف في عمق المجتمع؛ بتفكيك هياكل الدولة وبيعها، وبإعادة تصنيع مجتمع نخبة جديد لا علاقة للبلاد به إلا بالنهب والفساد، بينما كانت عمليات التصنيع السياسي تعصف بالبنى الاجتماعية وتفرغها من مضامينها السياسية الحقيقية على مستوى القيادات والأفراد والمجتمعات المحلية؛ مرة على شكل عمليات تهشيم سياسي للبنى الاجتماعية وإعادة تصنيع طبقي واقتصادي، ومرة أخرى على شكل حملات تسويق سياسي تلعب بأعصاب الناس وعواطفهم.
الدولة الأردنية التي بنيت بالصبر والندرة، وعلى أكتاف كل أبنائها بعيدا عن ملهاة الأصول والمنابت، هي اليوم في أمسّ الحاجة إلى تجديد وتعديل عقدها الاجتماعي مع نفسها، وبالسياسة وحدها..

basim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الشعب متعلم واعي و مثقف ومسالم صبور ولكنه ... (د.خليل عكور -السعودية)

    الأحد 18 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    السلام على من اتبع الهدى وبعد
    اولا اتفق مع الاخ ابو ركان في تعليقه وازيد:
    لست ادري وحكوماتنا الرشيدة التي تنتج من رحم البلد لماذا يصيبها العمى والطرش والاستهبال مع انها من ابناء هذا الشعب المعطاء الصابر على كل المصائب والمجازر التي يرتكبها ابنائه بحقه عندما يتسلمون المسؤلية ويتعاملون معه باستخفاف منقطع النظير مع انه والله لم اتعامل مع شعب بمجمله اوعى ولا اكثر وطنية وحملا للمسؤلية اكثر منه حتى الشعوب التي تسمى متحضرة فيكفي انه تحمل ابنائه الفاسدين وهم يظنون به الظنون ويا له من جحود وقلة حياء منقطع النظير فبدل الاحسان لهذا البلد الي احتضن بحضنه الدافىء الحنون الجميع يرد له البعض -المسؤليين على وجه الخصوص- الاحسان نكرانا
    ثم يتسائل هؤلاء عن المشكلة ويبدءوا بكيل الاتهامات لابنائه بهم هم اولى بها ممن يتهمونهم بها -صفاقة ...
    اللهم خلصنا منهم ومن شرورهم واحفظ الاردن
  • »أزمة ثقة (ابتسام خرما)

    السبت 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    اوافقك بكل ما تفضلت ومع رفضي التام للتخريب اضيف أن الناس لم تعد تثق بهذه الوجوه ولا مشوراتها ومن االنسور الذي عدد المناصب التي تولاها فهم من اوصلنا لهذه الازمة والمحافظين الذين يوزعون المعونات حسب الموالاة لهم ولمصالحهم وتحويل الناس الى شحادين لامنتجين والاعلام الذي لا يعكس الصورة الحقيقية للمجتمع وتنقل وجهة نظر واحدة ثم من يضمن للناس بعدم لهف أموال الدولة واسغلال المنصب مرة أخرى
  • »alwhitemos@yahoo.com (أبوعيدة)

    السبت 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    د:باسم لاتوجد في الدولة أي سياسات مدروسة لتجعل من هذه الجماهير فاعلة منتجة فقامت المصلحة على إبعاد الناس عن القرار السياسي والإقتصادي وللأسف لمصلحة مجموعة من أصحاب رؤوس الأموال والشركات العابرة للقارات دون النظر لمصلحة الشعب الذي يدفع الضرائب وأكثر من 80% من موازنة الدوله من هذا الشعب الفقير فأين التنمية الاجتماعية التي تعرف المواطنين حقوقهم وواجباتهم لهذا نرى ردود الفعل غير مدروس من تخريب لممتلكات الشعب التي دفع ثمنها من دمه وعرقه أو حتى عدم المشاركة السلبية جعلت متخذ القرار أن يعتبر الأغلبية الصامته في صفها وهذا أمر غير صحيح لأن الأغلبية الصامته لا ترضي بما تفعل الحكومةأو حتى المولاة الذين لا يحسنون التصرف وينظرون لهذه المسيرات السلمية معادية للنظام وليس مع النظام والعكس صحيح أن هذه المسيرات مع النظام ولكن يريدون الإصلاح وهم يجاربون الفساد
  • »الشعب الأصيل (فايز ملاحيم)

    السبت 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    يثبت الشعب الأردني انه اصيل رغم بعض اعمال التخريب القليلة تذكروا ماذا حدث في اليونان قبل عامين ، الم تحرق المؤسسات والمصالح ولنفس الاسباب الاقتصادية ، المسألة تحدث في اي مكان في العالم