محمد أبو رمان

المياه راكدة!

تم نشره في الأربعاء 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 03:00 صباحاً

تصطدم محاولات شخصيات سياسية لتحريك المياه الراكدة في الانتخابات النيابية بجدار سميك جداً، عنوانه قانون الانتخاب من جهة، وما أصاب المجتمع من تشظّ وتفكيك بفعل السياسات الرسمية خلال الأعوام الأخيرة من جهة ثانية.
بعد أن كان هنالك رهان (من محللين وسياسيين) على دور رئيس مجلس الأعيان، طاهر المصري، على سبيل المثال، لتحسين مناخ الانتخابات، عبر قائمة وطنية قوية، تنافسها قوائم أخرى تتشكّل من الوزن نفسه، فإنّ المؤشرات الأخيرة ترجّح بأنّ الرجل عدل تماماً عن قرار المشاركة، بعد أيام من المشاورات واللقاءات المكثّفة.
المؤشرات والبيانات المتداولة اليوم في أوساط النخبة السياسية، تشير إلى أنّ أغلب القوائم الوطنية الفاعلة والقوية لن تستطيع الحصول على أكثر من 7 مقاعد، وفق قراءات علمية لدى دوائر القرار، في أحسن الأحوال؛ وأنّ أغلبية هذه القوائم ستتراوح ما بين 1-3 مقاعد، وهي نتائج أشبه بمخرجات الدوائر الفردية. بل ويتبع المرشحون حالياً الديناميكيات نفسها في الدوائر الفردية، بالاعتماد على عامل المال والوجاهة والصلات الاجتماعية في تركيبة القوائم وترتيب الأسماء.
فإذا كانت أفضل نتيجة يمكن أن تحصل عليها قائمة مرشّح من الوزن الثقيل جداً، مثل طاهر المصري، أي عدد لا يتجاوز 7 مقاعد من 150 مقعدا، فأيّ فرصة له لتشكيل "حكومة برلمانية" ستكون؟! وإذا افترضنا (جدلاً) أنّ الخيار سيقع عليه، لما له من رصيد سياسي، فأي مأزق سيواجهه عندما يتعامل بقاعدة من 7 نواب مع مجلس فيه 150 نائباً، وكتل متحركة وهلامية، وأغلبية ليست مضمونة بأيّ حال من الأحوال؟ وكيف يمكن، ضمن هذه المعطيات، أن يقوم بتشكيل حكومة بالتشاور مع "الكتل البرلمانية"، في سياق هذه الحالة من التشظي داخل المجلس، وغلبة الاعتبارات الشخصية وتضخّمها على حساب الاعتبارات السياسية والحزبية والبرامجية؟!
ضمن هذه المعطيات، فإنّ العزوف لن يقف عند طاهر المصري؛ إذ سيكون قراراً لشخصيات سياسية أخرى، كانت تفكّر في خوض الانتخابات وإحداث فرق في المناخ السياسي والمخرجات، وإذا بها تكتشف أنّ القضية معقّدة أكثر مما كانت تتوقع، سواء في ترتيب القوائم أو في تمويلها أو في النتائج المرجوة من الدخول في هذه المعركة الصعبة والتنافسية، لكنّها ذات نتائج هزيلة على صعيد المخرجات المطلوبة، وهو ما يفترض أن تتميّز به الأحزاب السياسية في قدرتها على الجمع بين القوائم الوطنية والدوائر الفردية! لذلك، تذهب رهانات الأحزاب السياسية والشخصيات القوية اليوم إلى الجانب الغني في قانون الانتخاب، ويتمثّل في المقاعد الفردية والكوتات، والتي تخضع للاعتبارات التقليدية والشخصية والعشائرية، ما يعزّز من احتمالات عودة أغلب النواب الحاليين إلى المجلس القادم، أو على أقل تقدير "النوعية" نفسها في مستوى الوعي والخبرة والاعتبارات التي تحرّك النواب وتقف وراء مواقفهم، وتتمثّل في استرضاء قواعدهم الانتخابية الصغيرة، والبحث عن مكاسب صغيرة ومحدودة.
بالنتيجة، سنصل بعد الانتخابات النيابية إلى استبقاء المعادلة البائسة الحالية، وستستمر التشوهات الخطرة في العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وهي التشوهات التي لعبت دوراً كبيراً في الأزمات السياسية وإضعاف شرعية الدولة في الآونة الأخيرة. وسيحجّم ذلك كثيراً من قوة أي حكومة في مواجهة استحقاقات الأزمة الاقتصادية المتفاقمة، بما تحمله من أبعاد اجتماعية، مثل البطالة والفقر والحرمان الاجتماعي.
هل توجد لدى المسؤولين والسياسيين قراءة أخرى أو سيناريو مختلف لتغيير المزاج  الراهن، وكسر الجمود المهيمن على المشهد؟ ذلك ما نتمنّاه. لكن بالمناسبة، المشكلة لا تتعلّق هنا -بدرجة رئيسة- بمقاطعة الإخوان، بل بطبيعة المخرجات المترتبة على القانون نفسه، والتي لا تمنح هامشاً حقيقياً للتغيير، ولا لتحقيق الطموح بإيجاد روافع فاعلة لحكومة برلمانية تحمل المرحلة القادمة!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عودة يحيى السعود في الجزء الثاني من الفلم (|Sami)

    الأربعاء 7 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    جهز حالك يحيى السعود للعودة,