محمد أبو رمان

وجه آخر لسيّد قطب!

تم نشره في الجمعة 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 03:00 صباحاً

الصورة الانطباعية المباشرة السائدة عن سيد قطب، في أوساط ثقافية عربية وغربية، تتمثّل في أنّه "الأب الروحي" للتيار الراديكالي الإسلامي، والمدشّن لمفهوم الحاكمية (مع أبي الأعلى المودودي). إلاّ أنّ هذه الصورة تختزل جوانب مهمة ورئيسة من فكره وأدبه، وتتغافل تماماً عن "الشرط التاريخي" الذي أسّس فيه للأيديولوجيا الثورية الإسلامية، ويتمثّل في لحظة المواجهة الحادّة بين "الجماعة الإسلامية" والضباط الأحرار في مصر، وانحياز قطب -المقّرب في البدايات من مجلس قيادة الثورة- للجماعة، بعدما شعر بأنّ هنالك نذر "محنة" قاسية قادمة لها.
الوظيفة التاريخية لـ"أيديولوجيا الحاكمية"، ضمن معطيات تلك اللحظة، تمثّلت في مهمتين أساسيتين:
المهمة الأولى؛ تقديم إجابات لـ"الإخوان" عن أسئلة المحنة والابتلاء والسجون والمعتقلات التي واجهوها مع الحكم الناصري، مع انفضاض الشارع عنهم. وهو الجانب الذي لم يكن الإمام حسن البنا (مؤسس الجماعة) قد فصّل فيه كثيراً، ما خلق فراغاً فكرياً كبيراً حاول قطب ملأه من خلال القول بـ"حتمية" المواجهة والصراع ما بين الإسلام والجاهلية، لتفسير مرحلة السجون والتعذيب والإعدامات والقتل، وحماية تماسك مشروع الجماعة وتمكين أفرادها من الصمود في هذه "المحنة".
أما المهمة الثانية؛ فهي "نزع القداسة" عن الحكم الاستبدادي، وخلع لباس المشروعية الدينية والسياسية عنه، عبر خلق حالة من التصادم بينه وبين العقيدة نفسها والتوحيد، بالقول بأنّ من لم يحكّم الشريعة الإسلامية هو حاكم كافر، حتى وإن رفع شعارات العدالة والقومية وغيرها.
بالضرورة، هذا التأكيد على الحاكمية -في سياق المواجهة السياسية والفكرية مع الحكم الناصري- ولّد في المقابل فهماً مغلقاً ومتعسّفاً لدى جيل جديد من الشباب الإسلامي، الذين أخذوا كلامه في أيديولوجيا الحاكمية بعيداً عمّا أسّسه البنا، أو عن المشروع الإصلاحي لجماعة الإخوان؛ وذهبوا نحو خطاب أكثر تطرفاً وتشدداً دينياً وفكرياً وسياسياً، ثم وصلوا مع عبدالسلام فرج إلى القول بـ"الفريضة الغائبة"، أي الطريق المسلّحة لتطبيق المشروع الإسلامي، وهو ما تفرّع لاحقاً وتشعّب حتى وصلنا اليوم إلى "السلفية الجهادية" و"القاعدة".
بالرغم من ذلك، فإنّ الركائز الرئيسة لمشروع سيد قطب لم تكن تذهب بهذا الاتجاه، ولو قُدر لنا أن نتخيّل الرجل اليوم، لما تصوّرنا أنّه سيكون زعيماً من زعماء السلفية الجهادية، أو "القاعدة"، وإنّما قائداً مناضلاً من أجل تحقيق الحريات والتوفيق بينها وبين مبادئ الشريعة الإسلامية وقيمها، خارج سياق الشرط التاريخي الذي ظلم فكره، وضغط على هذا الأديب والمثقف الألمعي "وجدانياً" لتفسير الظلم الواقع على الجماعة، ومحاولة خلق آفاق من الأمل بالحرية والتغيير لأبنائها! جوهر فكر قطب يتمثّل في تكسير ثقافة ألوهية الحكام وتقديسهم، وفي الوقت نفسه رفض "الحلول الترقيعية" لتجميل النظم الاستبدادية، والإصرار على التغيير الكامل والجذري لاستكمال مفهوم الحرية السياسية للمجتمعات العربية، عبر "مبدأ المفاصلة". ولعل هذا البعد المهم من أبعاد الخطاب القطبي، هو ما يتجلّى اليوم في ثورات الشعوب العربية ضد الاستبداد والدكتاتورية، وإعلان الثورة على ثقافة الخنوع والخوف، وهو وجه مشرق واستشرافي لهذا المفكر المظلوم. هل كان سيد قطب يؤسّس لدكتاتورية إسلامية على أنقاض الدكتاتورية العربية، مثلاً؟
من يقرؤه جيداً ويمعن النظر في فكره وأدبه، يدرك تماماً أنّه أبعد ما يكون عن ذلك، وما تحفّظه على مصطلح الديمقراطية إلاّ جزء من سياق حرصه على الاستقلال الحضاري في النظم والثقافة والسلوك، لكنّ أفكاره وخطابه وحياته كُرِّست لمفهوم الحرية والعدالة الاجتماعية والصراع مع الفساد والاستبداد، عبر كتبه المعروفة؛ فهو مركّب من ثقافات إسلامية وتحررية وثورية، ما بين "العدالة الاجتماعية" و"الصراع مع الرأسمالية" و"معالم في الطريق"، فلا يجوز اختزال فكر الرجل وحضوره في بُعدٍ واحد!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »بل هذا هو الوجه الوحيد (وليد العجمى)

    الاثنين 19 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    الشهيد سيد قطب لم يكن يوما ما داعية إلى فتنة أو إلى عنف , لكن خصومه وأعداءه هم الذين ألصقوا به تلك التهم , قلم سيد قطب ووجه بحبل المشنقة وقبلها بسياط التعذيب , وقد آن لنا أن نكتب تاريخه وتاريخ الإخوان كلهم من جديد .
  • »فعلا قليل من فهم الرجل (أبو محمد)

    الجمعة 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    أنا لله هنا أنصح الشباب بعدم قرآءت كتب هذا الرجل رحمه الله فقد عبأها بتكفير المسلمين وكان لا يرى مسلما على الأرض إلا هو ومن حوله وكان مدرسه في مذهب الخوارج ولا تجد تكفيري في هذا الزمان إلا وتأثر في كتبه وأقرب مثال على ذلك ابن لادن والإسلامبولي فهم تربوا على كتبه،و سيد قطب عاش في الغرب،ثم فجأه وجدناه يفسر القرآن ،وللعلم القرآن لابد له من سبعة عشر علم لا بد أن يتقنهامفسر القرآن وسيد قطب فقط كان عنده واحد منهم وهي اللغه ولكم الحكم،وعليكم بكتب سلفنا الصالح ففيها غنيا بإذن الله وفائده والأهم أنها لاتعلم تكفير المسلمين على أتفه المعاصي.
  • »اتاتورك وقطب (د. عبدالله عقروق / عمان مؤقتا)

    الجمعة 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    كلام مقنع من استاذ قدير .كان سيد قطب من العلماء الفلاسفة بالفقه الاسلامي. فلم يكن سياسيا محنكا ولا قائدا عسكريا ولا محاورا عميقا كمصطفى اتاتورك الذي تمكن منان بغير كل شيء ةيبقى جوهر الاسلام قائما.. هنالك مقولة تقول بان بريطانيا هي التي اوجدت التجمع الاسلامي ضمن حزب الاخوان المسلمين ..وطبعا هذا قيد الاخوان من التحرك السياسي انذاك
  • »قول في منتهى الروعة (أبو شاهين)

    الجمعة 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    إبداع ما بعده إبداع , لأنني عندما أقرا في تفسير الظلال لسيد قطب تشعر أنك بين استاذ كبير يحارب الخروج على القانون والفطرة والمنطق الاجتماعي , ولا يمكن أن أتخيل هذا الأستاذ الكبير متطرفا أو من منظري القاعدة والتكفيريين .
  • »السلام النفسي يقود للسلام العالمي (ابتسام خرما)

    الجمعة 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    الله ينور عليك يطلع علينا بهذه الثمار انسان منصف أغطى هذا المفكر الكبير حقه فقد خسر الكثيرين من عدم الاطلاع على مؤلفاته في ظل الحرب على الاسلاميين
    ولو اطلعوا على كتابه الاسلام والسلام العالمي لما رأينا هذا الجيل المفرقع لا بين الجهله بل طلاب جامعي يثور دون هدف ولاتفه سبب
  • »تحية مع شكرا كبيرة (محمد بدر)

    الجمعة 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    فهم دقيق صحيح لفكر الشهيد المظلوم سيد قطب رحمه الله تعالى . الذي ظُلِم ثلاثا . الأولى في اعتقاله وسجنه واعدامه .والثانية في الفهم المتعسّف لكتاباته لمن تبنّى العنف سبيلا للتغيير واستسهال الحكم على الأفراد والمجتمعات . والثالثة عندما لم يعد له اعتباره سيما بعد أن ثبت صدق رؤيته وشفافيته واستشرافه . لقد خسر الفكر الأسلامي مفكرا كان سيكون له شأن كبير والله أعلم بما يُقدّر .
    تحياتي ومحبتي لك أخ محمد وأنا سعيد بمتابعة كتاباتك
  • »إنصاف (أبو قيس)

    الجمعة 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    تحليل دقيق ومنصف لرجل ظُلم فكره
    شكراً للكاتب
  • »دقه في الوصف (محمود ابو هلال)

    الجمعة 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    محمد ابو رمان كاتب هادئ هكذا اراه وبنفس الوقت هو مبدع ومثقف وهو خبير بالاتجاهات الاسلاميه وبخاصه السلفيه منها وحسب علمي كانت رساله الدكتوراه بهذه الحماعات وعودا لمقالته الرائعه فان سيد قطب كان من الممكن ان يكون متمما لحسن البنا رحمهما الله طبعا انا اولفتره قريبه لم تكن لدي معلومات تذكر عن الاخوان وعن حسن البنا ولكني عندما قرأت كتاب دعاه لا قضاه لحسن الهضيبي وذكريات لا مذكرات لعمر التلمساني والدعوه والداعيه لحسن البنا بهرت بل دهشت وحين تتناول الجميع تراهم اساتذه وتلاميذ المهم ان الانحراف الطبيعي كان عند سيد قطب واسميه طبيعي للظرف الموجود في تلك اللحظه رائع يا ابو فارس