د.أحمد جميل عزم

سورية.. الربيع العربي.. "نبوءة" من القرن السابع عشر

تم نشره في الخميس 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 03:00 صباحاً

تسعفني ذاكرتي في استعادة محطات منذ حرب الخليج العام 1990/ 1991. كان العامة والنخب يحاولون خلالها تفسير الأحداث بأنّها مؤامرات كونية. دخول العراق الكويت بالنسبة للبعض أمر أنبأنا به الأوّلون، وابتسم له القمر، فزعم البعض رؤية وجه صدّام حسين عليه. وقال البعض الآخر، وتداولوا مقالات صحف، تقول إنّ دخول الكويت فخ ومؤامرة أميركية، وردت في فيلم سينمائي سبق الحرب بسنوات، وهي مقدمة لتقسيم العراق والسعودية وإقامة ممالك جديدة. وضربات 11 سبتمبر مؤامرة صهيونية، والربيع العربي مؤامرة يقوم بها شخص فرنسي يهودي اسمه برنار هنري ليفي.
نهج ادّعاء النبوءات ومعرفة الأسرار والخبايا قصة قديمة جداً. ففي القرن السادس عشر مثلا، قال الفيلسوف الإنجليزي فرانسيس بيكون، أحد أشهر مؤسسي مناهج البحث العلمي: "عندما يتبنى الفهم البشري رأيا (لكونه شائعا أو لأنه يروق للفهم نفسه)، فإنّه يجر جميع الأشياء الأخرى لدعم هذا الرأي والاتفاق معه. وبالرغم من وجود أمثلة أكثر عدداً ووزنا في الجانب الآخر، إلا أنّه يهملها ويزدريها (...) وتظل سلطة الاستنتاجات السابقة غير قابلة للانتهاك. هذا هو سبيل المعتقدات الخرافية في التنجيم، الأحلام، الفأل، الأحكام السماوية، أو ما شابه ذلك، حيث يقوم الناس (فرحين بغرورهم) بتسجيل الأحداث إذا تحققت، وإذا لم تتحقق (وهذا ما يحصل في أغلب الحالات) يهملونها ويمرون مرور الكرام عليها".
هل ما يحدث في سورية مؤامرة حقا؟ وهل إزاحة محمد حسني مبارك، ومعمر القذافي، وغيرهما مخطط أجنبي؟!
بعيدا عن نهج النبوءات والبحث في المؤامرات، فإنّ علماء سياسة وصفوا منذ زمن طويل "متى يثور الشعب". ضمن هؤلاء من القرن السابع عشر، الإنجليزي جون لوك، أحد مؤسسي الفكر الليبرالي، رغم أفكاره الاشتراكية. وهو من منظري الحكم المدني. وقد تحدث عن أنواع المتمردين، فقال إنّ من يتمرد على الحكم هم في أغلب الأحوال أهل الحكم أنفسهم؛ فهم موجودون على شكل سلطة تشريعية أو منفّذٍ أعلى للقوانين لتحقيق أهداف هي ضمان حرية الناس، وضمان المساواة التامة بينهم، وضمان حقوقهم في ملكياتهم الخاصة. فإذا خرق المشرّعون والحكّام هذه الأسس كانوا هم من تمرد. ويرد لوك على مقولة إنّ هذه أفكار تشجع على العصيان وتؤدي إلى التخريب والفتن، بالقول إنّه بغض النظر عن المبررات الدينية أو غيرها (ادعاءات المقاومة والممانعة مثلا)، فإنّه إذا أسيئت معاملة الناس بما يتناقض وحقوقهم فإنّهم على استعداد، عندما تسنح الفرصة، لإزالة العبء عن كاهلهم. وبحسب شواهد التاريخ، قلما تتأخر الفرصة. وفي موضوع أن التغيير الثوري تخريب وفتنة، يقول إنّ الثورات لا تحدث نتيجة أخطاء طفيفة وقليلة في إدارة شؤون العامة، بل نتيجة سلسلة طويلة من حالات وقصص الفساد، والمراوغة، والمكائد، تجعل الناس يدركون ما ينتظرهم إن ظلوا صامتين. ويقول إنّ من يتولى السلطة هو الذي يمارس العنف في الأغلب، ويناقض الثقة التي قبله بموجبها الناس؛ فمن في السلطة هو من يملك أدوات العنف التي تجعله يفرض سلطة اعتباطية، ويخالف القوانين الطبيعية التي تضمن حقوق الناس في الحرية والمساواة والملكية الخاصة.
بعيدا عن الأفكار الميتافيزيقية لتفسير ما يحدث في سورية أو العالم العربي، لنأخذ مقاييس جون لوك ونطبقها في حالة مثل سورية: هل كان فيها احترام للقانون من قبل السلطة، أم انتهكت كل الحريات فاعتقل الكثيرون وعُذّبوا واختفوا؟ ألم يعش الناس قصصا لا تنتهي من حالات الفساد أو ما تداولوه عن الفساد والمحسوبية في أركان النظام، بدءا من رفعت الأسد، إلى عبدالحليم خدام، إلى رامي مخلوف؟! لنسأل: من الذي نال حرية أو مساواة، أو كانت له مِلكيات محترمة؟
نعرف أن قوى دولية تحاول التأثير في نتائج الثورات، ولكن هذا لا يلغي حتمية الثورة. ونعرف أنّ انتهاكات الحقوق الإنسانية في الدول متفاوتة، ولهذا تتفاوت أحجام الثورات والحراكات. وربما لا يعرف جون لوك، أو لم يفكر، كيف أنّ التغيير ربما يؤدي أحيانا إلى فترات انتقالية مؤلمة، أو حتى إلى نظام جديد سيئ، ولكن هذا أيضا لا يلغي حتمية الثورة والحراك.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »بالظلم تهلك الدول والحضارات . (نضال طعامنه)

    الخميس 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2012.
    سبب ما حدث في سوريا وغيرها من الدول العربية والتي حدثت فيها ثورات هو الخنوع الخارجي للغرب والكيان الصهيوني والإستبداد الداخلي والأستئساد على الشعب العربي المسالم ؛ لذا قضت حكمة الله والعدل الرباني أن يتم الأطاحة بالطواغيت كبن علي ومبارك والقذافي على يد شعب أعزل مسالم , وفي ذلك عبرة كبيرة وعظيمة !