ثورات بلا قادة

تم نشره في الخميس 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2012. 03:00 صباحاً

من العلامات الفارقة للثورات العربية، وبلا استثناء، تميزها بغياب القادة أو الزعماء الثوريين عنها، أو ما يمكن تسميته "نقص القيادات". لقد حدثت الثورات في أغلب الدول العربية كحركات عفوية، ساهم فيها العديد من الحركات والمنظمات والأحزاب السياسية، وهي تضم في ثناياها طيفا ليس ببسيط من القادة الشباب الذين كانوا يتميزون بصفة أو صفات معينة. كان أغلبهم قادة ميدانيين لم تتوفر فيهم صفات القادة الثوريين. كذلك، لم تستطع سيرورة الثورة، سواء كانت سلمية أم عنيفة، إفراز أو إنتاج قادة ثوريين وطنيين يمثلون طموحات الشعب.
على العكس من ذلك، مع مرور الوقت، عادت القيادات السياسية التقليدية لتتصدر المشهد السياسي، واستطاعت -كل حسب حجمها وإمكاناتها التنظيمية- حجز مقعد لها في قيادة الدولة ما بعد الثورة، كما كان واضحاً في مصر وتونس وليبيا واليمن وغيرها.
إن غياب القادة عن الثورات العربية ترتب عليه عدد من المسائل التي لها أثر كبير على تلك المجتمعات، خلال الثورة وبعد نجاحها:
أولاً: لقد تحول الصراع بين القوى الثورية والأنظمة الحاكمة إلى صراع على السلطة، أكثر منه إلى صراع على شكل المجتمع الجديد. وبالطبع طُرحت شعارات وأفكار ثورية ورنانة، ولكن هذه الشعارات لم تتحول إلى معان مشتركة، بسبب غياب القيادات عن تلك الثورات والحركات. وبذلك، تحول شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" على أرض الواقع إلى استبدال للسلطة من فئة لفئة أخرى، بدون تغيير جوهري.
ثانياً: كنتيجة حتمية لغياب القادة الثوريين، لم تتم بلورة معالم المجتمع الجديد الذي كانت تصبو إليه الجماهير التي شاركت في الثورة. لقد تحطمت الآمال الثورية في أغلب تلك الدول على عتبات القوى والمؤسسات التقليدية، سواء كانت تلك القوى من الأحزاب أم الجيش أم غيرهما من القوى الأخرى. وهذا يفسر استمرار التخبط في العديد من تلك الدول، بخاصة من حيث إنتاج دساتير جديدة خاصة بها.
ثالثاً: بالمحصلة النهائية، فإن الدول التي شهدت تلك التحولات، لم تشهد بزوغ فجر جديد أو أنظمة جديدة، بل على العكس تماماً؛ فقد جاءت الأنظمة الجديدة (مع بعض الاستثناءات المحدودة) على هيئة شكل جديد من الأنظمة السابقة. وإذا ما أخذنا بعض النماذج، كمصر أو تونس أو اليمن، فإن الأنظمة الجديدة لم تساهم في إنشاء دول على أسس جديدة، بل قامت بإعادة إنتاج الأنظمة السابقة، وإن كان بقيادات جديدة. فعلى سبيل المثال، لم تقم تلك الأنظمة ببلورة سياسات اقتصادية أو اجتماعية أو حتى سياسية جديدة، بل شكلت سياساتها امتداداً للسياسات التي كانت متبعة في الأنظمة السابقة، وإن كان بتبريرات جديدة.
إن الثورات التي حصلت في العالم العربي تشكل بداية لتحولات سياسية تاريخية لم تكتب فصولها النهائية بعد. وقد شكل غياب القادة الثوريين أو التاريخيين لهذه الثورات نقطة ضعف كبيرة، بالرغم من قدرة تلك الحركات على الإطاحة بالأنظمة السياسية. ومرحلة البناء تتطلب وجود رؤية واضحة، وفي الغالب يقوم القادة الثوريون ببلورتها. إن أحد أسباب تعثر دول ما بعد الثورة في الدول العربية مرده الأساس غياب القيادة الثورية عن تلك الدول، ما أدى إلى تحويلها إلى دول شبه فاشلة. لكن من الضروري التذكير بأن الثورات تأخذ وقتاً طويلاً لكي تكتمل، وقد يكون ما شهدناه لا يعدو كونه مقدمة لتلك الثورات.

التعليق