الأردن تغرق.. في الحبّ!

تم نشره في السبت 20 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 02:00 صباحاً

خلال زيارتي لعمان لاحظتُ مسائل عديدة تستحق الكتابة عنها، منها ما هو مدهش أو محزن أو صادم أو حتى "طريف" كالتغيير الحكومي الأخير!
لكن الاتفاق مع الصحيفة يمنعني من الكتابة في السياسة في هذه الزاوية، ورغم أنني أتحايل عليه أحياناً، الا أن الأمر لا يحتاج لحيلة هذه المرّة؛ حيث سأكتب عن الحبّ في الأردن، والذي يبدو فاقعاً وتتعثر به على الأرصفة!
خلال استماعي لبرنامج على إذاعة أردنية يقدمه مذيع لبناني، كان المتصل يشكو من أن حبيبته هجرته، وانه يحاول بشتى الطرق استعادتها، وأنه كان طيلة ثلاث سنوات يعيش علاقة رائعة وأنه كان يقدم لها كل شيء، وكان تأثر المذيع بالغاً، قبل أن يسأله إن كانت معه بنفس الصفّ!!!
ليتبين أن العاشق تلميذ في الصفّ الثامن، وحبيبته كذلك، وبحسبة السنوات الثلاث فإن علاقتهما بدأت في الصف الخامس الابتدائي، ويستطرد العاشق قائلا للمذيع بأنه كان دائماً ما يساعدها في حلّ واجباتها الدراسية، ثم يناشدها باسمها الصريح واسم عائلتها (على الهواء مباشرة) أن تعود له، وسط حوار جدّي تماماً من طرف المذيع!!
بقيتُ صافناً، ومدهوشاً، من هذه السرعة التي يذهب فيها المجتمع الأردني الى انفتاح غير مدروس، والى حد ان يذكر اسم عائلة أردنية معروفة على الهواء في سياق كهذا، وقلتُ لحالي ربما أنني غبتُ طويلاً وأن الناس "تتطور" باستمرار!
لكنه طفل؛ طفلٌ جداً، عدتُ أقول لنفسي، وإن كان غير مسؤول عما يقوله (وهو كذلك بالطبع)، فالمذيع ينبغي له ان يدرك، وان يتعرف قليلاً على ثقافة المجتمع الأردني، الذي يعمل في إعلامه.
ربما لا تكفي هذه الحادثة مؤشراً لوضع عنوان كهذا للمقالة، لكنني في يوم آخر حين كنت أقصدُ أمراً في أحد المولات (الاماكن التي أنفر جداً من زيارتها)، ذهلتُ من عدد الفتيات الصغيرات اللواتي يجلسن في مقاهي الأراجيل يشربن القهوة السادة وينفثن الدخّان باحتراف، وينظرن للسقف والهات سارحات في كلمات الاغاني المدويّة في المكان.. عن الهجر والخذلان طبعاً!
أفهمُ طبعاً صفات هذه السنّ، وحجم الاستعراض الذي يقدمه الفتى والفتاة في عمر كهذا، وأن الطرفين يظهران دائماً بمظهر المهموم التروك الحائر، وأن كل واحد منهم يتعامل مع كلمات أي أغنية كما لو أنها كتبت له، وكل مسلسل أو فيلم يعرض قصته هو، وليس المطلوب طبعاً منع جيل ان يعيش مراهقته، لكن المأمول هو ترشيد هذا الاندفاع العاطفي الأردني!!
أو على الأقل رفع سن الحب رسمياً لتساوي سن الانتخاب، وأتحدث جاداً هنا، بحيث لا تستقبل وسائل الاعلام شكوى عاطفية ممن تقل سنه عن 18 عاماً، أو على الأقل ان لا يكون طفلاً أو طفلة، وأن يُفعّل قانون الدخان، فتمنع الأراجيل على العاشقين والعاشقات دون الـ18 عاماً، فهذه الجموع من الصبايا والشباب الصغار المدخنين المتطوحين غراماً لا يعطون صورة حداثية ومتطورة كما قد يخطر للبعض، ولا يكسبون التعاطف المأمول الذي يخططون له، ويمكن للأهل أن ينتبهوا للواجبات المدرسية لتلاميذهم حتى لا يتطوع عشاق صغار لملء هذا الفراغ!
عموماً، مشهد البنات في المولات يوحي بأننا في "تايتانيك" فعلاً، وأننا دولةٌ تغرق.. في الحبّ!

ibrahim.gaber@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نموذج من خلل ثقافي أعمق وأخطر (سامر)

    السبت 20 تشرين الأول / أكتوبر 2012.
    شكرا يا أستاذ على هذا التحليل المثير للإنتباه. ماقدمته لنا هو نموذج من خلل ثقافي أعمق وأخطر في العالم العربي. انا ليبرالي وأحلم بعالم عربي ليبرالي. لكن مشكلتنا بالأردن والعالم العربي هو إنتشار نموذج مشوه لليبرالية يعكس مصالح النخب الرسمية. تسمى هذه الليبرالية بالليبرالية الإجتماعية الإقتصادية. اي انها محصورة في الحريات الشخصية والمالية ولاتتعداها الى الليبرالية السياسية. فالليبرالية الغربية الأصيلة لاينفصل الإجتماعي منها عن السياسي والإقتصادي. فالحقوق الشخصية والحريات الشخصية ومبادئ المساواة ليست محصورة في الغرب على القضايا الجنسية كما هو الحال في العالم العربي. لكن في العالم العربي وتماشيا مع رغبة النخب الرسمية ان تظهر بمظهر أقرب الى الغرب الذي يتملقون دوما له لأن بيده أوراق القوة فتقوم هذه النخب العربية الرسمية بإنتاج نسخة مشوهة من الليبرالية فقط لكي لا تدفع ثمن التطور من إمتيازاتها فحصرت الحداثة بليبرالية إقتصادية وأخرى إجتماعية لأن كليهما يصبان في مصلحة النخب الرسمية. فليبرالية الإقتصاد ساهمت في بيع أصول الدولة وأثرت النخب الرسمية في مسرحية فساد تم تشريعها بما يسمى بالخصخصة ولكن لم تذهب العائدات الى خزينة الدولة. والليبرالية الإجتماعية فهي ايضا تصب في مصلحة كل رجل سلطة عربي ذكوري تقليدي حيث توفر الليبرالية الإجتماعية غطاء شبه حداثي لثقافة المجون وإنحلال التي سمعنا عنها في اساطير قصور الأولين من حريم السلطان وماملكت أيمانهم والجواري والمحظيات. فالليبرالية الإجتماعية تجعل من كل خط أحمر ديني او ثقافي مجرد وجهة نظر وخيار شخصي. والليبرالية الإقتصادية تعري البلد من مواردها والمواطنين من الحياة الكريمة. اما الليبرالية السياسية وهو الركن الأول والأهم فهو غائب تماما من ثقافة النخب العربية الرسمية. فالليبرالية السياسية تتناقض مع الشمولية و أتت لتنهي عهد الرجل القوي وقمعه وفساد حاشيته ثم إنتقلت لتواجه العنصرية والتمييز والكره. فاليوم تعيش العديد من الدول العربية حالة شذوذ ثقافي وسياسي وإقتصادي يجعل من الحريات الجنسية على الفضائيات وفي ندوات "الحقوق" وعلاقات لأطفال "الرومانسية" شجاعة إعلامية تبث على الهواء مباشرة في نفس الوقت الذي يعلن إعلامي رسمي مشهور على الهواء مباشرة رغبته في إطلاق الرصاص على رؤوس معارضين سلميين في مسيرة سلمية.
  • »جيل الحب (wafaa)

    السبت 20 تشرين الأول / أكتوبر 2012.
    أشكرك على الموضوع ...
    جيل الحب هذا ما تسميه والدتي وفسرها دكتور يعطيني محاضرة بأن هذا الجيل يعاني من سيولة في المشاعر .
    في أحدى المرات سمعت هذاالبرنامج الذي تتحدث عنه " بالصدفة "سمعت المتصلين كلهم في حالات حب وخيانة والبعد القسري عن الحبيب والكثير منهم اعمارهم اقل من 18 سنة متناسين أمور اهم في هذه المرحلة هي الدراسة اما المذيع لآ استطيع انكار اسلوبه الجميل ولكنه لآ يعطي حلول ويجاوب السؤال بسؤال فمثلا اتصلت فتاة تشتكي بعد الحبيب وذكرياته وعدم القدرة على نسيانه فجاوبها لماذا ابتعد عنك ؟؟؟؟وكل اسلوبه يقوم على الأصغاء الجيد ولكن لآ يقدم اي حلول للمشكلة وبكونه من بيئة لبنانية غير البيئة الأردنية فبيعطي حلول تتوافق مع بيئته وليس بيئتنا !!في خلل في الموضوع ومشكلة ولكن بما انه اغلبية المتصلين تحت السن القانوني اكيد ما راح ينتبهوا ..أرى وراء هذا البرنامج خلل كبير في التربية الأسرية القائمة على القسوة عدم السماح للأبن او الأبنة بالتحدث عن مشاعرهم والدكتاتورية في التعامل معهم ...فالعاطفة طاقة نريد التنفيس عنها فلو تكلم الوالدان مع ابنائها عن مشاعرهما ووجهوهم الى الطريق الصحيح لختلف الموضوع كليا ولكن هذا البرنامج دليل انه ما زال هنالك خلل كبير في التربية .
    أشكرك استاذ ابراهيم لطرحك الموضوع
  • »عودوا بناتكم على التدرج لأخذ القرارات اثناء نشأتهن (د. عبدالله عقروق / بيروت مؤقتا)

    السبت 20 تشرين الأول / أكتوبر 2012.
    لا يعرف الحب الاعمار ، ولا يمكن أن نحدد سنة معينة لنحب .فالطفل الرضيع يحب أمه من الايام الاولى من عمره .وفي السنوات الأولى يتم تعريفه على وجود الخالق ، فيبدأ بحبه .طبعا حب الأب ينضم الى حب الطفل قي سنواته الأولى ..الحب هو استمرارية لحب قديم .فالزوجة لا يمكن أن تعرف كيف تحب زوجها ، أن لم تحب والدها .والزوج لا يمكن ان يحب زوجته أن لم يكن يحب أمه .فاستمرار حب الزوج والزوج الى والدهما ،يجعل الزوج ان يحب زوجها ، والزوجة تحب زوجها ..وثم حب الزوح لزوحته ، وحب الزوج لزوجته يجعلانهما أن يحبا اولادهما .وهكذا دواليك ، كالسلسة تماما..تصور يا استاذ جابر كيف ان مفاهيم الحياة تغيرت كليا عن مفاهيم اباءنا .فاباؤنا كانوا يعتبروننا أننا خرجنا عن العادات والتقاليد ، دون أن يراعوا أن الحياة تتطورت شاؤا أم ابوا ..لذا الجيل الذي جاء بعدنا قد تطور ايضا ، واصبجنا نؤمن ان اولادنا خرجو عن طاعتنا ، وننسى بأن مفاهيم الحياة ايضا قد تطورت ..عليك يا استاذ جابر ألا تحكم على هؤلاء الصبايا الجالسات بطريقة محتشمة ، يدخن النرجيلة ، ويشربن القهوة السادة ..حتما فأنت لا تعرف عنهن شيئا ..ربما هؤلاء الشابات مبدعات في صفوفهن ، وربما من الاوائل .على جيلنا ان يتقبل بالتطور ، ويتعاش معه ، ويفسح المجال لشاباتنا ما كان ممنوعا في جيلنا ..نعم أولادنا أمانة بين ايدينا ، وعلينا أن نصونهن ..علينا أن نعلم بناتنا الخطأ من الصح ، ونفهمهن بأن اي عمل لا أخلاقي يقمن به ، هن انفسهن سيدفعن ثمنه ، ويعشن معه طيلة حياتهن .فلأجل انبساط ساعة أو ساعتين تفضي الفتاه عمرها كله تعاني لأجل غلطتها ..فهل يا فتيات تقبلن بهذا ؟ واجبنا كأباء وأمهات أن نعطي بناتنا الحرية بالتدريج .خاصة اثناء نشأتهن ، وسن المراهقة ، ونراقبها من بعيد .فاذا احطأت علينا أن نوجهها بالطرق الحديثة .أما اذا حافظت على هذه الحرية ، علينا أن نزيدها أكثر . فحرية الفتاة أمر هام في التربية ،وتدريبها على التدرج على أخذ القرارات بنفسها وما دامت ابنتنا تعيش في كنفنا ، وتعودت على حريتها، وأخذ القرارات بنفسها تدريجيا نكون قد هيأنها عندما تستقل وحدها لدراستها الجامعية ، حينها عليها أن تعيش وحدها ، وتتخذ القرارات بنفسها