د.أحمد جميل عزم

طائرة حزب الله: الصراع الإيراني-الإسرائيلي

تم نشره في الاثنين 15 تشرين الأول / أكتوبر 2012. 02:00 صباحاً

لا يمكن التسليم بما سارع خصوم ومنافسو حزب الله اللبناني إلى طرحه، من أنّ قيام الحزب بإرسال طائرة بدون طيار، يوم السبت 6 تشرين الأول (أكتوبر)، وأنزلتها القوات الإسرائيلية قرب مفاعل ديمونا في جنوب فلسطين، هو مغامرة غير محسوبة؛ بل بقدر ما للعملية من احتمالات التنفيس والتوظيف السياسي لاعتبارات داخلية في لبنان وسورية، بقدر ما توجه العملية رسالة سياسية، وبقدر ما قد تخدم قدرة الردع ضد إسرائيل.
من أصعب الفترات التي قد يمرّ بها قائد بنى مجده على المواجهة العسكرية، أو على وعد المواجهة، أن يعيش حالة اللاحرب واللاسلم. وينطبق هذا الوضع على حزب الله في لبنان. ويزيد من صعوبة الموقف إذا ما كان هناك من يريد التشكيك في نضال ومقاومة وانتصار هذا الطرف، وهو ما يواجهه حزب الله أيضاً، الذي يعاني كذلك تبنيّه مواقف سياسية إقليمية يعارضها كثيرون.
يتلخص واقع حزب الله الحالي في نقاط؛ أولاها، مشكلة ما يُعرف في العلاقات الدولية بنظرية "فائض القوة". فكل قوة عسكرية تنتصر في مواجهة، وتخرج قوية لديها جيش وجنود وأسلحة، تعاني مشكلة شائعة في التاريخ السياسي العسكري، وهي أنّ هذه القوة إمّا أن تُحوّل إلى قوة مدنيّة تدريجيا وبسلاسة، أو تتحول إلى سبب لصراع داخلي وقوة هدم ذاتي في المجتمع ذاته الذي تمتلكه هذه القوة، على شكل مواجهات داخلية أو تحوّل العسكر إلى مراكز قوة وتنافس وصراع. ومن الشائع استخدام هذه القوة لبدء صراع جديد مع جهة ما سوى العدو الأصلي، وهو ما حصل، مثلا، في حالة نظام صدّام حسين في العراق بعد حرب إيران؛ إذ وجّه فائض القوة إلى الكويت (1990). ومن الشائع أيضا البدء بمواجهات وعمليات محدودة محسوبة ضد العدو السابق، مع تحاشي مواجهة مفتوحة. والهدف هو إحياء وديمومة نشوة الانتصارات السابقة، وبعض عمليات حزب الله السابقة على "جبهة الإسرائيليين" تحمل هذا الغرض، ولكن وحشية الرد الإسرائيلي العام 2006 جعلت هذا النهج أكثر صعوبة وخطورة. ويمكن فهم عملية الطائرة الأسبوع الماضي في هذا السياق؛ إذ تخدم العملية الحزب سياسيا في موقفه الصعب أمام الجماهير، والذي ترتب على مساندته النظام السوري، وخصوصا بعد الأنباء عن مشاركة مقاتلين من الحزب في المواجهات على التراب السوري، وبعد سنوات ظهر فيها سلاح حزب الله في المواجهات اللبنانية الداخلية، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر، عمليات الحزب ضد خصومه الداخليين في أيار (مايو) 2008. ومثل هذه العملية تشجع على دعم مقولات "المقاومة والممانعة"، بغضّ النظر عن أنّها قد تكون مقولات حق يراد بها باطل أحيانا.
ولكن مشهد الطائرة لا يمكن رؤيته أيضا بدون سياق المواجهة الإيرانية-الإسرائيلية، وتحديدا التعبئة العسكرية الإسرائيلية بشأن حرب في المنطقة، سواءً استهدفت لبنان أو إيران. فالطائرة قد تكون بهدف جمع معلومات، أو على الأقل توجيه رسالة بأنها لجمع معلومات تساعد، في حال حدوث مواجهة، على توجيه صواريخ حزب الله وربما إيران بدقة. وهي رسالة للإسرائيليين بأنّ هناك أدوات لم يحسبوا حسابها في المواجهة. أضف إلى ذلك أنّ الطائرة قد تكون جس نبض للإسرائيليين، ومدى جديتهم في التصعيد. وأخيرا، هي رسالة، أو تجربة، بأن طائرات مشابهة قد تأتي محملة بالمتفجرات مثلا، باعتبار ذلك سلاحا جديدا.
تفتعل إسرائيل أو تسرّع أو تصعّد المواجهة مع إيران لأهداف منها حرف الأنظار عن الموضوع الفلسطيني، وعن أزماتها الداخلية الاجتماعية والمالية. وقد يبدو أنّ الطائرة الإيرانية المرسلة من حزب الله تخدمها في هدفها هذا. ولكن الحقيقة أنّه من الناحية الموضوعية أيضاً، لا يمكن لأي جهة تتعرض لمثل السياسات العدائية الإسرائيلية أن تقف صامتة، وحزب الله طالما فاجأ إسرائيل.
طائرة حزب الله رسالة ذات معنى، وليست مغامرة طائشة، وستدخل الحسابات العسكرية الإسرائيلية. وهذا لا يلغي أنّ الصراع الإيراني-الإسرائيلي صراع مثقل بأهداف داخلية، وحسابات ذاتية لكل الأطراف، بعيدا عن القضايا الأساسية في الصراع، وهي فلسطين والاحتلال.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حزب الله وفلسطين (عصام عبدالرزاق الاحمر)

    الاثنين 15 تشرين الأول / أكتوبر 2012.
    ان موقف حزب الله بجانب النظام السوري " يجاهر به ولا يخفيه " بأن الازمة السورية يجب ان تحل بالحوار بين الاطراف المتصارعة "وهذا موقفنا" وان موقفه من النظام السوري "له ما يبرره " بكون سوريا الحبل السرّي الذي يربط ايران بحزب الله " يسهل الوصول الامدادات اليه". ورغم ادعاء المعارضة السورية بأن حزب الله يقاتل بجانب النظام, الا انها لم تقدم هى والفضائيات الى تساندها " مقاتلا" دليلا ملموسا بأن حزب الله يقاتل على الاراضي السورية.أما نظرية " فائض القوة" باحتلال العراق للكويت عام 1990 فينفيهامؤتمر القمة العربي الغير العادي السابع 28-30 أيار 1990 عندما أثار صدام حسين مسألة محاربة العراق فى قوته واستغلال الكويت لنفط حوض الرميلة. وصرخة المغفور له الملك حسين حين انهى خطابه بقول الشاعر " أضاعوني وأى فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر" وقد ضاع العراق.أما أحداث 7ايار عام 2008ما بين حزب الله والحكومة الغير شرعية برئاسة السنيورة الذى حاول مصادرة شبكة اتصالات حزب الله الدولية "التى كانت خطاأحمر " لحماية المقاومة اللبنانية من التجسس الاسرائيلي. وان المصادرة يعتبر اعلان حرب على الحزب وانتهت الأزمة بسحب قرار المصادرة.ان دعم ايران لحزب الله يجعل اقدام ايران شمال فلسطين " فقهيا " لن نزايد على الشعب اللبناني الذي يعتبر حزب الله "الذراع المقاوام" الذي يردع اسرائيل ويحمي لبنان من الاطماع الاسرائيلية. ان امتلاك حزب الله لاحدث التقنيات يدعم الشعب الفلسطيني ويقول ان فلسطين هى من البحر الى النهر وليست بقايا فلسطين عام 1967.
  • »سنوات الحزن (عمر)

    الاثنين 15 تشرين الأول / أكتوبر 2012.
    قبل ايام كنا نتهم المقاومة اللبنانية بضياع البوصلة بعد ان إتهمت بالتدخل في سوريا ونسيان فلسطين وهذا مانفاه الشيخ نصرالله ،الزعيم العربي الوحيد الذي لايكذب كلما فتح فمه. والآن بعد ان رجعت فلسطين الى الصدارة نتهم المقاومة اللبنانية بتهم مضحكة مبكية. نصيحتي الى المقاومة اللبنانية ان تهاجر الى بلاد شعوبها تحترم التضحية والإنجازات. بعد حملات التشهير بالمقاومة اللينانية والفلسطينية والعراقية والأفغانية بدأت أعيد النظر في التاريخ العربي المعاصر لأنه كتلة أكاذيب وضعها مرتزقة هدفهم بالحياة التملق للقوي والثري.
  • »الطائفية والمنطق لايجتمعان (شاهر)

    الاثنين 15 تشرين الأول / أكتوبر 2012.
    أذهلني أحمد عزام بمقالته البيزنطية وهو يشرح لنا "فائض القوة" ضاربا أمثلة عربية من جبهة المقاومة ومستثنيا إسرائيل وأمريكا والسعودية التي لها تاريخ طويل في "دعم" الثورات المضادة. ثم أذهلني محاولة الكاتب تسخيف هدف المقاومة اللبنانية هو مقاومة إسرائيل حيث بالنسبة لنا.. انه الهدف الأسمى في الوجود والذي خسر لأجله حسن نصرالله إبنه. فهذا هو الكاتب العبقري يفاجئنا بأن الوجود من أجل المقاومة مجرد تكتيك ونقطة ضعف حزب الله. شو بتقول؟ مين حرق المصنع؟ إذا للمقاومة مش عم تقاوم فهي تشعر بالملل او مايسميه أخونا عزام بالفائض. لو كان صلاح الدين معنا لتم تمزيقه بنفس الأسلوب ولكان هدفا لأقلام "المعتدلين." يبدوا ان الطائفية والعقلانية لاتجتعمان.