محمد برهومة

ثلاثة أمثلة حول سيكولوجيا الاعتدال

تم نشره في الجمعة 28 أيلول / سبتمبر 2012. 02:00 صباحاً

في سياق انخراطهم في الشأن العام والعملية السياسية، في ظل حقائق جديدة أوجدها "الربيع العربي"، يواجه الإسلاميون مشكلة مع "الاعتدال"؛ فالقاعدة الانتخابية الشعبية أو التنظيمية للإسلاميين أكثر تشددا، ربما، من القيادات والرموز، وعدم مراعاتها من قبل القيادات يعني خسارتها وخسارة أصواتها، فيما كسبها يعني، غالبا، تأزما مع السلطات واحتكاكات لا تتوقف.
للأمر علاقة ما بطبيعة الشخصية العربية وبنائها الثقافي والسيكولوجي، إذ ما تزال تضمر تشككا في الاعتدال والمعتدلين، وتكاد تصنفهم كمتنازلين وغير مبدئيين، فيما تحوم حول المتشددين صفات الرجولة والشجاعة وربما الفروسية. المتشدد، وفق هكذا مزاج شعبي، "يفشّ الغل"، حتى لو لم يحقق إنجازا فعليا أو نجاحا مؤكدا، بينما إنجاز المعتدلين إنْ تمّ فهو ملوّث، وفي أحشائه رائحة مساومات وتنازلات، واعتداد بالرماديّ على حساب الأبيض والأسود.
مزايا الاعتدال والوسطية مؤكدة، ومصائب التشدد والانغلاق أيضا مؤكدة. وتغيب البوصلة في حالتين: الأولى، حين يحقق التشدد إنجازا ويفشل المعتدلون؛ والثانية، حين لا يحتمل الناس الوقت اللازم ليؤتي الاعتدال ثماره بالفعل، ويبقون متشككين في المسيرة. وهنا تبرز أهمية القيادات الملهمة والكاريزمية التي تستطيع تذليل كل هذه العقبات، وإقناع الناس بتقدم السياسة والمرونة على العنف والمواجهة الخشنة.
اليوم في المملكة المغربية، هناك حكومة يقودها حزب إسلامي يكاد يصبح ضحية اعتداله؛ فهو وعد أنصاره وناخبيه بمكافحة الفساد المالي والسياسي، وإصلاح الإعلام، لكنه ظل طيلة الفترة الماضية يمارس تكتيكات لكسب ثقة القصر الملكي، وتحسين العلاقة مع الدوائر القريبة منه، الأمر الذي وجد فيه متشددو حزب "العدالة والتنمية" المغربي نكثا بوعودهم للناس، ما أوقع وزير الاتصالات المغربي مصطفى الخلفي، في توتر مع القصر حين اقترب من ملف الإعلام السمعي والبصري، وحين تحدث القيادي الشاب في الحزب عبدالعالي حامي الدين عن صلاحيات الملك محمد السادس التي تخالف الدستور المعدّل (تموز 2011)، وأن هذه الصلاحيات، بعكس ما ينص الدستور، تهمّش رئيس الحكومة. ولعبة كسر العظام بين إسلاميي المغرب والحكومة بدأت حين سئل رئيس الحكومة عبدالإله بن كيران عن الفاسدين السابقين، فقال: "عفا الله عما سلف". فما كان من دوائر القرار إلاّ أن اعتقلت أعدادا من موظفي الأمن والجمارك بتهم فساد، وقدمتهم للمحاكمة لتقول للناس: نحن نقاوم الفساد والحكومة تغض الطرف عنهم!
المثال الثاني من البحرين؛ فقد تشكلت جماعة "الإخوان المسلمين" هناك على مدار العقود السبعة الماضية من تأسيسها، كحركة محافظة اجتماعيا، وأقرب إلى أن تكون موالية سياسيا. والانتقادات التي كانت توجهها الجماعة في الأعوام السابقة احتجاجا على بعض الفعاليات الثقافية أو الفنية والترويحية والسياحية، إنما تأتي انعكاسا لفكر محافظ ورؤية دينية متشددة حيال المرأة والفنون والحريات، أكثر من كونها انعكاسا لرؤية سياسية راديكالية تجاه نظام الحكم. ثمن الاعتدال السياسي هنا قابله تشدد ديني واجتماعي، ومحاولات الأسلمة الاجتماعية قد تؤجل الاصطدام مع النظام أو بعض القوى المجتمعية، في ظل تبادل المنافع السياسية ساري المفعول بين الجماعة والنظام، أيْ إن تبدّل الظروف يعني احتمالات قوية للإطاحة بالاعتدال السياسي الإسلامي هناك، والأرض ستكون مهيأة لاستقبال التزمت، في ظل تحديث حكومي دون حداثة حقيقية.
في أميركا، المعركة الانتخابية  بين أوباما ورومني تبدو، في أحد وجوهها، بين طرح أوباما بأن خريطة طريقه التي يقدمها للأميركيين تحتاج، وفق رأيه، إلى وقت وصبر، برغم أنها تظهر أميركا كبلد يتراجع دوليا، فيما رومني يداعب أمنيات اليمينيين الذين يحلمون بأميركا كقوة كاسحة وبوصفها شرطي العالم. الشخصان لا يقدمان مصلحة أي بلد على مصلحة بلدهما، لكن السياق النفسي يظهر أوباما في وضع من يحتاج إلى الدفاع عن نفسه أمام الناس ليقنعهم أنه يحب بالفعل أميركا أكثر من رومني.

mohammed.barhoma@alghad.jo

التعليق