ماجد توبة

عندما يصبح "خدش الحياء العام" خطرا

تم نشره في الخميس 27 أيلول / سبتمبر 2012. 03:00 صباحاً

بالمسارعة إلى إحالة المواطن الغاضب المقهور، الذي احتج على مخالفة سير في صويلح قبل يومين عبر خلع ملابسه "الفوقية" والبقاء شبه عار في الشارع العام، إلى القضاء بتهمة "خدش الحياء العام"، تكون السلطات الرشيدة قد وجهت رسالة ذكية "جدا" للمجتمع، ولشرائح واسعة من الساخطين والفقراء، وللمطحونين تحت نير الأوضاع المعيشية المتردية، تعفينا من انتشار محتمل لظاهرة الاحتجاج بالتعري!
رغم أن خبر تعري المواطن المطحون احتجاجا على مخالفة سير لوقوف مزدوج، رأى أنها ظالمة بحقه، قد قوبل بنوع من الجدل الشعبي حول مثل هذا النوع من الاحتجاج، والمدى الذي ذهب إليه هذا الرجل، فإن حالة التعاطف، أو على الأقل التفهم والحزن على حاله، قد غلبت على المعلقين على الحادثة؛ فالمعلقون، في غالبيتهم، هم من الطبقات الفقيرة والمتوسطة التي تطحنها منذ عقدين وأكثر السياسات الاقتصادية الرسمية، والتدهور المروع في مستويات المعيشة، واتساع دائرة الفقر.
وربما لكل ذلك، تفتقت عبقرية الحكومة وأجهزتها عن ضرورة المسارعة إلى استخدام الأمن "الخشن"، بعيدا عن قصة الأمن الناعم التي تتغنى بها الحكومات منذ نحو سنتين، مع هذا الفقير المحتج الذي "خدش" الحياء العام في التعبير، بالوقوف شبه عار على رصيف شارع عام، مليء بالفقراء والمطحونين الساعين وراء لقمة الخبز وأقساط المدارس وفواتير الكهرباء والماء! فهؤلاء المطحونون غير معنيين، ولا يتوفر لهم الوقت للتوقف و"الفرجة" على هذا المحتج الذي كاد يفقد عقله! بدلا من أن يواصلوا لهاثهم وراء تأمين قوت يوم أولادهم.
المشكلة أن هذا المطحون المحتج على مخالفة سير بعشرين دينارا، لم يتوقف للحظة لتقليب الموقف من جميع الوجوه، وترك العنان لفقره وقهره من الأوضاع المعيشية والاقتصادية ليقودا ردة فعله (طبعا نجزم أنه غير معني كثيرا بالتسجيل للانتخابات وجدل المشاركة والمقاطعة، وصراع الحرس القديم والجديد، وهرطقات المحافظين ومعركتهم مع المعارضة والحراكات).
مشكلته أيضا أنه لم يسمع بالأمن الناعم ولا الخشن، فهو لم يكن خلال العامين الماضيين يجد "فضاوة" لمتابعة تلفزيون أو صحف، ولا لقراءة مقالات نخب صحفية، أو سماع تصريحات لمسؤولين عن ضرورة شد الأحزمة والتحلي بالمسؤولية الوطنية في انتظار فرج يأتي مستقبلا.
خدش الحياء العام قد تكون تهمة متواضعة ضد هذا المواطن المطحون؛ فخطر ما قام به ليس في خدش الحياء العام للمارة، بل هو في ابتكاره أسلوبا سلميا جديدا للاحتجاج على تردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية، غير مكلف كثيرا ولا يعيق طريقا كالاعتصامات والمسيرات، ولا ترفع فيه شعارات سياسية، لا خفيفة الوزن ولا خارقة للسقوف، لكنه، مع ذلك، أسلوب خطير يمكن الاقتداء به من قبل المئات وربما الآلاف من المحبطين والحانقين على تردي أوضاعهم المعيشية والاقتصادية.

majed.toba@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »معايير مزدوجة (عصام عبدالرزاق الاحمر)

    الخميس 27 أيلول / سبتمبر 2012.
    ربما كان هذا المواطن يريد أن يقول للرقيب السير تفضل " فتّش" اذا كان معي تسديد المخالفة؟اذا كان فعل المواطن هذا يمثل خدشا للحياء العام. قبل ثلاثة عقود فى العقبة قضى مواطنا " وجيها" فى السجن لأنه قال لأحد المواطنات , يا بنتي تسترّي اليس عيبا ان تمشى بالشارع بهذا اللباس؟ هنا اعتداء على حرية الآخرين وهناك اعتداء على الحياء العام. المفارقة انها كانت ابنة وزير " " وذاك مواطن مقهور.