محمد أبو رمان

أين يقف طاهر المصري؟

تم نشره في الاثنين 24 أيلول / سبتمبر 2012. 02:00 صباحاً

لا أعرف سبباً مقنعاً للّغط الحالي حول رئيس مجلس الأعيان، طاهر المصري، ولا لما يتم تداوله في الأوساط السياسية والإعلامية من استهداف له، وغضب مسؤولين في مراكز القرار على الرجل، فهو –وفق ما أراه- واضح أشد الوضوح في مواقفه السياسية!
ارتفعت وتيرة الهجوم المبطّن على المصري مؤخراً بتحميل إجازته (خلال إقرار قانوني الانتخاب والمطبوعات والنشر) أبعاداً سياسية، من قبل الحكومة الحالية والحرس القديم في "السيستم" وحوله. ومع أنّه يؤكّد أنّ تلك الإجازات كانت معدّة مسبقاً، إلاّ أنّ هذا لا يضره لدى الرأي العام، بل يمنحه احتراماً ومصداقية؛ فهو انسجم مع نفسه بالاحتفاظ بقناعاته وعدم تغييرها من جهة، ولم يشاغب على الحكومة الحالية أو يعارضها علناً، برغم أنّ ما تتخذه من سياسات في ملف الإصلاح لا يتفق مع قناعاته وتصوراته، بالضرورة.
المصري ترأس لجنة الحوار الوطني واستطاع، بذكاء وحنكة، أن يقود التيارات الممثّلة فيها -من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار- إلى تفاهمات عميقة في أكثر القضايا جدلية في السجالات الراهنة؛ حول قانون الانتخاب، والهيئة المستقلة، والتعديلات الدستورية، والمحكمة الدستورية، وفوق ذلك الورقة المرجعية للإصلاح التي كان يمكن لها أن تكون "نقطة تحول" أو حجر أساس لتحديد معالم النهج السياسي القادم. إلاّ أنّ مراكز القرار والمعارضة على السواء، لم تقدّر حجم الإنجاز الذي قدّمه، وتم تجاهل جزء كبير منه، ولو أخذ بما قدمته اللجنة كـ"حزمة واحدة" لأحدث فرقاً كبيراً في المشهد السياسي اليوم.
بالرغم من ذلك، لم يخرج المصري عن طوره، ولم يعبّر علانية عن خيبة أمله، ولا عن الصدود الذي جرى تجاه ما قدّمه، بل عاد إلى ممارسة دوره داخل النظام بهدوء؛ فخلع قبعة رئاسة اللجنة الوطنية للحوار، ولبس قبعة رئاسة مجلس الأعيان. لكنه لم يستطع، ولا يستطيع أن ينسلخ عن قناعاته ومواقفه السياسية المعروفة للقاصي والداني، إلاّ إذا أردنا منه أن يكون منافقاً متقلباً، أو مصاباً بانفصام الشخصية!
بالضرورة، لا يستطيع أبو نشأت أن يخفي موقفه من قانون الانتخاب (الصوت الواحد)، وهو رأي قديم ومتجذّر، وكان من الشخصيات التي وقعت على عريضة المقاطعة في العام 1997، احتجاجاً على القانون، فهل نتوقع منه اليوم أن يخرج إلى الناس يتغزل به!
الآن، وبعد "الاستدارات" التي حصلت، والمياه التي جرت تحت الأقدام، وحالة "الانسداد" التي نعاني منها، ومأزق كلّ من الحكم والمعارضة، عدنا لنسمع أصواتاً من داخل دوائر الدولة ومن الإخوان تشعر بالندم على عدم الالتزام بالنظام الانتخابي الذي قدمته لجنة الحوار، وقوبل حينها بجحود كبير من أغلب الفاعلين الرئيسيين في الساحة.
إقصاء أو تهميش طاهر المصري يمثل خسارة للدولة والنظام عموماً؛ فوجود مثل هذه الشخصية ذات الميول الإصلاحية الهادئة على رأس مجلس الأعيان، وبما يملك من قبول في أوساط سياسية متعددة ومتنوعة، هو عامل قوة، ويمكن أن يساهم في إحداث توازنات مطلوبة في عملية اتخاذ القرار، ويمثّل وجهة النظر المقابلة للتيار المحافظ، ويحول دون إمساك تيار واحد بتلابيب المعادلة السياسية، مما يجعل النخبة ذات الميول الإصلاحية بأسرها خارج مؤسسات القرار، وهذا بالضرورة يخل بمرونة "مطبخ القرار" وقدرته على تنويع قراءاته وخياراته السياسية والتعامل مع المنعرجات المختلفة.
مثل المصري يمثّل مفتاحاً مهماً لاحتواء الأزمات والخروج من الاختناقات السياسية، وهو ورقة رابحة تماماً في أكثر من اتجاه، لو كان هنالك قراءة سياسية حصيفة، بدلاً من هذه الروحية الإقصائية التي نجدها تجاه الآراء المختلفة، حتى داخل الدولة نفسها، أو تهميش من يختلف مع التيار المحافظ في عملية اتخاذ القرارات المهمة على قاعدة "إما معنا أو ضدنا!"!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »دولة المصري رجل دولة وحكيم ويؤمن بالاصلاح والمجتمع المدني (يافا العجمي)

    الاثنين 24 أيلول / سبتمبر 2012.
    أشكرك أستاذ أبورمان على هذا المقال وعلى انصافك لرجل في زمن شحت فيه الرجال والرموز في بلدنا. لقد مارست حقي في الانتخاب مرة واحدة في حياتي حيث انتخبت دولة طاهر المصري فكنت أرى فيه استقلالية مالية (شبعان) ونزاهة وطولة بال وذكاء وأناقة في التواصل مع الآخرين وثقافة وقدرة على الانجاز. من الضروري أن نتذكر بأن دولة المصري كان من ذلك الجيل الذي ساهم في بناء الأردن الحديث تحت مظلة الراحل الحسين بن طلال وتطبع بطبائع ذلك الزمن من الحداثة والاعتدال والحكمة والانجاز والتواصل مع الناس. باختصار، دولة المصري هو جزء أصيل من مرحلة من عمر هذا البلد نحن لها.
  • »جهاز خاص لقياس الوفاء والأخلاص ..والكلمة الأخيرة لصانعي القرار الذين يعملون في الخفاء (د. عبدالله عقروق / بيروت مؤقتا)

    الاثنين 24 أيلول / سبتمبر 2012.
    الكمال لله وحده ..لدى دولة المصري دمغة ثابته لا تتغير ..لو كان هنالك جهازا خاصا لحس نبض الوفاء والاخلاص لكان دولته في المقدمة .انا لا اعرفه ، ولم التقي به يوما ، ولكنني متابع قوي لكل ما يجري في وطني الحبيب ، وأعرف كل صغيرة وكبيرة .,أرشبفي عن دولته ، وغيره ناصع البياض ..نحن لسؤ الخظ في الأردن أنه لدينا صانعي قرار ظاهرين ، وصانعي قرار بالخفاء .ولسؤ الحظ فأن الكلمة الأخيرة هي لصانعي القرار الذي بشتغلون بالخفاء ..فالجهود المخلصة الأمينة تبقى محفوظة في اذهان المخلصين الأوفياء أمثالك يا استاذ ابو رمان
  • »صفات جميله برجل وطني بإمتياز (فارس)

    الاثنين 24 أيلول / سبتمبر 2012.
    عطوفة طاهر المصري من أروع و أشرف رجالات الوطن العزيز
  • »مسألة وقت (وليد راغب الخالدي)

    الاثنين 24 أيلول / سبتمبر 2012.
    المخاطرة تعتبر مخاضة الزامية لاي سياسي محترف واعتقد ابو نشأت يعول بأن الغاء قانون الصوت الواحد بات مسألة وقت، وانه كانت له اسباب زالت الان، وأن قانون التحول التاريخي بالمنطقة ودخول الغرب على المشهد يفرضان على الاردن اعادة تجربة الديمقراطية التي خاضها المرحوم الملك الحسين، مع فوزي الملقي وقانون مطبوعات 53، ثم قانون الصوت المتعدد سنة 89
  • »ما هذا المقال يا ابورمان (ما هذا المقال يا ابورمان)

    الاثنين 24 أيلول / سبتمبر 2012.
    بضميرك يا دكتور هل ترى فرقا في اداء الدغمي و المصري؟ انا لا ارى سوى فرقا واحد في اسلوب تنفيذ ارادة صانع القرار في الاردن.
  • »قراءة موفقة لمشهد المصري والذئاب (ابو قصي الهندي)

    الاثنين 24 أيلول / سبتمبر 2012.
    لا شك أن الروح الإقصائية والعدائية التي تحدثت عنها في الفقرة الأخيرة هي الحالة الطاغية على كامل المشهد السياسي والثقافي والإقصادي الأردني فهناك تصفية مبرمجة وواضحة وتمارس منذ زمن بعيد وقريب (على أساس إقليمي) وهذا ما يدعو للشك والريبة من سياسة الدولة تجاه أبنائها فهي تصنف أبناءها على أساس الفقوس والخيار حسب البطة إن كانت سوداء أو بيضاء - فأبناء البطة السوداء (المغضوب عليهم) لهم حق الصمت بأحسن الأحوال وعليهم كل الواجبات في كل الأحوال!!! معادلة مخجلة يتبناها صناع القرار إما عن قصد أو لإرضاء أو بضغوط بعض من أبناء البطة البيضاء!!! تحية خاصة لأبو نشأت المحترم وأطال الله بعمرك حتى ترى أن جميع الأبناء أصبحوا إخوة من أم واحدة لهم هدف واحد.
  • »محايد (ضرار الطوباسي)

    الاثنين 24 أيلول / سبتمبر 2012.
    شكرا دكتور ابو رمان على المقال
    انت تثبت كل يوم بانك رجل محايد توصل المعلومة كما يجب دون نفاق او تملق
  • »التوطين السياسي (علي العلمي)

    الاثنين 24 أيلول / سبتمبر 2012.
    رغم حساسية الموضوع فيجب عدم أغفال حقيقية أن هنك مجموعات تضع فيتو على السيد المصري بسبب أصوله. حيث أن الرجل ليس من "أبناء العشائر" أو أبناء العشائر" أو ابناء "الأردن الحقيقي" .
    وجود المصري في موقعه بل و التجرأ على تسميته كمرشح لموقع رئاسة الحكومة "رغم محدودية صلاحيات الموقعين كليهم" يعتبر عند البعض رجس من أرجاس "التوطين السياسي". و "التوطين السياسي" لمن لا يعرف معنى المصطلح - تعبير مغرق في العنصرية من أقارب مصطلح "الابارتايت" الشهير حيث هو يقسم الأردنيين الى فئتين و يعتبر إعطاء أحدى الفئتين حقها الطبيعي في مواطنة متساوية من حيث وجودها في البرلمان و الحكومة و دوائر الدولة المختلفة - يعتبر هذا موامرة على الهويه الاردنية و الديموغرافيا الاردنية . و قد أصبحت أليات أستبعاد هؤلاء من الدولة و أجهزتها قوانين نافذة و محترمة.