هل يمارس نتنياهو "التوريط الواعي" مع واشنطن؟

تم نشره في الأربعاء 5 أيلول / سبتمبر 2012. 03:00 صباحاً

وصف مساعد وزير الخارجية الأميركي أندرو شبيرو، نهاية العام الماضي، مناورات "تحدي الريح الجنوبي" المقررة للعام 2012، بين إسرائيل وبلاده، بأنها الأكبر والأهم من نوعها بينهما. ولو أراد محلل استراتيجي، أو مخرج تلفزيوني حينها، توقع المشهد المنتظر عند إجراء هذه المناورات، فإنّه كان سيقول: سيجري الأميركيون والإسرائيليون مناورات غير مسبوقة، تتركز على تنسيق الدفاعات المضادة للصواريخ في البلدين، وذلك بالتوازي مع تدريبات عسكرية ستجرى في منطقة الخليج العربية، تشارك فيها خمس وعشرون دولة، تركز على كسح الألغام والتصدي للصواريخ، مع تسارع تركيب رادار في قطر يتكامل مع رادارات في تركيا وإسرائيل، تكوّن قوسا مضادا للصواريخ. وقد يضيف المتأمل في المشهد تفاصيل عن القبة الدفاعية في إسرائيل ضد الصواريخ القريبة من غزة وجنوب لبنان. ومن ثم، يستنتج أنّ هذه الخطط تستهدف إبطال قدرة إيران على الرد على هجوم ضدها، وضد منشآتها النووية، على اعتبار أن الصواريخ، خصوصا من نوع "شهاب"، التي قد تصل إسرائيل من إيران، وصواريخ قد يطلقها بالنيابة حزب الله من لبنان، والألغام التي قد تلقيها إيران في مضيق هرمز، هي أهم أدوات الانتقام. وسيستَنتج أنّ هناك استعدادات لعمل عسكري ضد إيران، أو أنّ التدريبات رسالة لطهران أنّ هناك خططا لإبطال قدرات الردع عندها.
أمّا الآن، فإنّ مناورات "تحدي الريح الجنوبي" جرى تأجيلها من مطلع العام وأصبحت مقررة الشهر المقبل، وتراجع حجمها كثيراً، كما يكشف تقرير لمجلة "تايم"؛ إذ انخفضت القوات الأميركية المشاركة إلى 1500 بدل خمسة آلاف جندي، وسترسل منصات "باتريوت" المضادة للصواريخ بدون فريقها. في الأثناء، ستمضي المناورات والتدريبات في الخليج، ورادار قطر، كما جرى التخطيط لها. ورغم الذرائع التقشفية المالية التي يعلنها الجنرالات الأميركيون لهذا التقليص مع إسرائيل، إلا أنّ الاعتقاد أنّ ما يجري هو رسالة سياسية، ردا على تقارير أنّ إسرائيل قد تضرب المشروع النووي الإيراني عسكرياً. وهو ما عبر عنه رئيس الأركان الأميركية المشتركة مارتن ديمبسي، الذي قال إنّ ضربة عسكرية قد تبطئ ولا تُوقف مشروع إيران النووي. وقال عن إسرائيل "لا أريد دورا إذا اختاروا ذلك (الضربة)".
يقلل محللون من معنى فكرة تقليص المناورات العسكرية، ويقولون إن إسرائيل تستطيع الاعتماد على الدعم الأميركي مهما فعلت. فمثلا، هناك رادار أميركي في النقب موجه نحو إيران، يستطيع التقاط مشهد كرة عادية في الجو هناك، ولكن الأميركيين فقط من يطلعون على ما يلتقطه. ويرد محللون: هل يتوهم أحد أنّه لو التقط الأميركيون شيئا يهدد إسرائيل فسيبقون صامتين لا يخبرون حلفاءهم؟
ما يجري الآن، على السطح على الأقل، وبعيدا عن محاولات فريق أوباما نفي وجود خلاف مع إسرائيل عشية الانتخابات الرئاسية، هو ضمن سيناريوهين: أولهما، أنّ نتنياهو وفريقه يقومون بشيء أشبه بما قامت به المقاومة الفلسطينية قبيل العام 1967 من الجر إلى المعركة تحت عنوان "التوريط الواعي"، على اعتبار أنّهم يعتقدون أن المعركة ممكنة ومفيدة ولكن يجب إشعال فتيلها. أو أنه، وهذا هو السيناريو الثاني، ابتزاز سياسي إسرائيلي عشية الانتخابات الرئاسية الأميركية، ولقبض الثمن على شكل صمت عدم تحريك عملية السلام مع الفلسطينيين.
على الجانب الأميركي، فإنّ ما يجري يتضمن احتمالين: أولهما، أنّ واشنطن تستاء من احتمال قيام إسرائيل بعمل منفرد يخرب كل الجهود الأميركية لبناء تحالف دولي ضد إيران، يثمر عقوبات اقتصادية وحصارا، وربما يؤدي يوما إلى تقبل العمل العسكري.
والاحتمال الثاني، أنّ واشنطن تجس النبض لسيناريو تبدو فيه إسرائيل تتحرك منفردة، لترى كيف ستكون ردة الفعل الإيرانية. ومن هنا ربما يكون تصريح أمين عام حزب الله حسن نصرالله، الأخير أنّ إيران  ستستهدف القواعد الأميركية في الخليج إذا قامت إسرائيل بضربها، هو رد على جس النبض هذا. أو أنّ واشنطن تستفيد من أجواء التهديدات الإسرائيلية لحفز القوى الدولية لممارسة ضغط أكبر على طهران. أضف إلى ذلك أنّ واشنطن عمليا، وكما تدل مناورات الخليج، لا تستبعد فكرة العمل العسكري، ولكن الخلاف على التفاصيل، وقد لا يستمر الخلاف إلى الأبد.

التعليق