عيسى الشعيبي

على رسلكم في الطريق إلى طهران

تم نشره في الثلاثاء 28 آب / أغسطس 2012. 03:00 صباحاً

مند أن سلم مبعوث إيراني خاص رسالة دعوة رسمية للرئيس الفلسطيني محمود عباس، في عمان قبل عدة أسابيع، لحضور مؤتمر قمة دول عدم الانحياز المقررة بعد يومين، وأنا أراود نفسي في كتابة رسالة مفتوحة لأبي مازن، أتمنى عليه عدم تلبية هذه الدعوة، والعزوف عن المشاركة الشخصية في هذه المناسبة التي لا تقدم ولا تؤخر، ليس للقضية الفلسطينية فحسب، وإنما لأي من الموضوعات الكثيرة المتزاحمة على جدول أعمال منظمة دولية فقدت منذ سنوات طويلة مبرر وجودها.
وفيما كنت أغالب ترددي في كتابة الرسالة المفتوحة، وأقول في نفسي إنه قد تكون هناك دواع وجيهة لموافقة الرئيس أبو مازن الفورية على زيارة طهران، بل ربما أن في قم سراً ليس في نيويورك، طلع علينا ناطقون رسميون إسرائيليون يهاجمون قبول رئيس منظمة التحرير الفلسطينية المشاركة في قمة محمود أحمدي نجاد، الأمر الذي منعني من عرض مثل هذا الاقتراح، خشية التماثل مع موقف إسرائيلي له منطق مختلف عن المنطلق الذي كان يحدوني إلى توجيه مثل هذه الدعوة الاعتراضية.
غير أن توجيه إيران دعوة مماثلة للشيخ إسماعيل هنية لحضور المؤتمر كضيف خاص، أو كما قالت إحدى الفضائيات الإيرانية (الميادين) "كرئيس لدولة فلسطين"، حسمت ذلك التردد الصامت لدي، وأملت عليّ وجوب القول: لا تذهب يا أبا مازن إلى طهران، حتى وإن تراجع نظام الولي الفقيه عن دعوة هنية في اللحظة الأخيرة، تحت ضغوط المجموعة العربية المشاركة في الأعمال التحضيرية، وتهديدها بعدم المشاركة في قمة عدم الانحياز، وليس تعففاً أو زهداً من سلطة الأمر الواقع، التي تحمست للمشاركة أشد الحماسة.
ذلك أنه ليس لدى إيران المأزومة المحاصرة، الترياق الشافي لأوجاع الحالة الفلسطينية المؤلمة؛ ولا في وسع حلفاء بشار الأسد، المتورطين حتى نخاع العظم في مجازره اليومية الرهيبة، وقف محاولاتهم المستميتة لإحداث مزيد من الانشقاقات في العالم العربي، وأخذ أقطاره من الداخل كلما سنحت لهم الفرصة؛ وليس انقلاب غزة بالأمس، وحال لبنان اليوم، ناهيك عن حال العراق ماضياً وسورية راهناً، إلا دلائل دامغة على سلوك إيران التخريبي في بلادنا من الماء إلى الماء.
وأحسب أن عدم ذهاب أبو مازن إلى طهران، على خلفية هذه الفعلة العبثية الإيرانية المستهجنة، سوف تكون لها عوائد سياسية وأخلاقية أكبر بكثير من كل مشاركة في حفلة قمة طهران، التي ليست في واقع الأمر سوى مناسبة عابرة لالتقاط الصور، وتبادل المجاملات الشكلية، وعقد لقاءات جانبية مع الضيوف، لإظهار أحمدي نجاد كزعيم عالمي محبوب، وتقديم إيران كدولة تمكنت من كسر طوق الحصار.
وعلى عكس ما آل إليه حال فروع الحركة الدولية للإخوان المسلمين من قطيعة بائنة مع إيران، على خلفية ثورة الكرامة في سورية، فقد نجحت التقديمات المالية الإيرانية لإدامة الانقلاب في غزة، في الحفاظ على تمايز لافت لإخوان القطاع حتى عن إخوانهم الفلسطينيين في الخارج، وبالتالي شراء صمتهم على شلالات الدماء في ديار الشام، وذلك بقمع المتضامنين الغزيين مع الثورة السورية، حتى لا نقول تهميش قيادة خالد مشعل لصالح هنية والزهار، وفق ما تشي به كثير من الوقائع والأحداث والتصريحات.
إزاء ذلك كله، ومن منطلق يغلّب الاعتبارات بعيدة المدى على إكراهات اللحظة السياسية الراهنة، أجدد الدعوة للرئيس الفلسطيني، وغيره من القادة العرب، بالامتناع عن المشاركة الشخصية في قمة طهران، بعد أن سقط القناع عن ثورة المظلومين، وجاست في ديار العرب من البصرة إلى صعدة، مروراً بغزة، وحيث ما شاءت لها مطارح الالتهابات المذهبية الكامنة سن النصال ودعوة الثارات التاريخية بعد ألف وأربعمائة عام، خصوصاً بعد أن انتهت زوبعة التمثيل الفلسطيني في فنجان قمة عدم الانحياز.

issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق